فن

مملكة الإيموجي …. مسرح الطفل و انعكاس المكان.

بقلم: سعاد شواهنة

مملكة الإيموجي …. مسرح الطفل و انعكاس المكان.

بقلم: سعاد شواهنة

لم أتخيل أبدا أن الإيموجي التي استخدمها في حالات مضغي لكل الكلمات، و عدم رغبتي في تسجيل و كتابة أي كلمة ستكون كائنات تقفز أمامي في عرض مسرحي جمالي مختلف، و لكل منها روح، صوت و كلمة فرق في وقعها و الصدى، وفي مملكتها ” مملكة الإيموجي”  و هو أحد العروض المشاركة ضمن “مهرجان فلسطين الدولي لمسرح الطفل والشباب”،  في نسخته الخاصة بمشروع “مسرح طفل في كل مكان” ضمن “مهرجان فلسطين الدولي لمسرح الطفل والشباب” للعام 2022 وذلك في نسخته الخاصة بمشروع “مسرح طفل في كل مكان” بدعم من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وبإشراف التعاون.

مملكة الإيموجي: إخراج رنين عودة ، كتابة وتأليف رؤى رزمق

أداء: مؤمن السعدي،عايدة قنبر

بمشاركة الأطفال وديع مناصرة، وآدم العارضة وجنان العارضة، ورحمة لحلوح وندى أبو عزيزة

و يأتي هذا المهرجان من تنظيم مسرح الحارة بالشراكة مع مَسرح الحرية ومسرح رسائل التابع لجمعية زهرة الشمال للثقافة والفنون ومسرح عشتار ومسرح نعم.

مملكة الإيموجي…ووعي الرسالة: 

يبدو أمر بناء مملكة سهلاً للغاية، ملكة وتاج،  نشيد و أعلام، رعية و كثير من الحراس، هتافات و مراسم، لست صادقة تماماً فما كل من ملك ملك، و ليس كل من يقرأ آيات الطاعة يضمر في نفسه الولاء، هذا ما يتكشف عنه هذا العمل الفني للأطفال، و رغم أنه يأتي في سياق مهرجان مسرح الطفل، الذي يتوقع منه أن يحمل رسالة هادفة واعية، ربما يأتي بعضها في سياق تربوي، إلا أن هذا العمل ” مملكة الإيموجي” لا يخلو من الرسائل الثقيلة و الصارمة، و الموجهة و ربما كانت هذه هي الصبغة الخاصة و المميزة للعمل.

يروي متن العمل حكاية مملكة تتعرض لغزو مرتين، الأول و كان غزواً خارجياً عندما تخترق أسوارها فتاة صغيرة تمضي كثيراً من وقتها أمام حاسوبها، أما الغزو الثاني فكان داخلياً عندما يتحالف غاضب مع مجموعة الفيروسات و يتلفون أنسجة و بيانات المملكة، هذه ليست قرية السنافر، لكنها إعادة نحت لواقع افتراضي أفرز كثيراً من حالة الخرس الإنساني في إطار استخدام ” الإيموجي”، و إحالة لصوت الحياة اليومية بين أسوار مملكة الإيموجي.

 مساحات الألوان و الذات:

تعتني الصورة الفنية للمسرحية بتقديم تداخلات الذات الإنسانية من خلال ألوان الأوشحة التي تتدلى من السقف حينا، و تلف شخوص العمل حينا آخر، و يأخذها بيديه و يدور بها، و يشتبك مع نفسه و يعيش سجاله الذاتي، و يتعارك مع الآخر.

أربعة ألوان (أحمر،أصفر،أخضر، و أزرق طفولي بارد)صورة اللون حالة جمالية إنسانية، و لها صوت سياسي خافت نسمعه أحياناً قليلة في ظل النص حين يتحدث شخوص العمل عن حواجز و جدار و أسوار تعيق حركتهم، فلا يمكنني أن أصغي لهذا الصوت دون أن أرى انعكاس مساحتنا الفلسطينية المتشظية في عمل مسرحي فني موجه للأطفال، هكذا أرى لبعض الألوان دلالات موجهة لكنها حيوية و جمالية و تعبر من زاوية أقرب و أصدق عن ألوان و حيوية كائنات الإيموجي.

الإيموجي و حبات السمسم:

” يا زارعين السمسم … خلي السمسم عجراسه … و إللي يهوى وما ياخد… كبو السكن على رأسه” في معجم الكاتب الفلسطيني و ربما معجم المبدع الفلسطيني مفردات الحق، الذات، الهوية حاضرة دائماً في سياقها، وفي غير سياقها، فالحق يجعل كل السياقات سياقها هكذا تأتي صورة السمسم المبرر التقني الذي يصل بين عالمين، و يجعل الإيموجي” لطيف” يتسلل إلى منزل حلا ليحصل على السمسم، و يبرر رغبة حلا الغريبة في استكشاف عوالم مملكة جديدة، يأخذ لطيف السمسم فيبيعه لنفيسة بردائها الاخضر تبيعه لملكة المملكة ” انتورا العنتورا التي تعود فتوزعه على رعاياها في نمط رأساشتراكي، تستأثر بالثروة لتعيد توزيعها.

السمسم أيضاً قدم لحالة جدل مباشرة مع حلا في العالم الموازي، فهي تخوض جدلا حول أحقية السمسم، فهو من مطبخ منزلها، كانت تنقله النملات إلى الساحة، لكن هذا السمسم سمسمنا، وفي صورة ما صدى هذه الكلمات له وقع جميل في ذهنية أطفال يترسخ لديهم مفهوم الملكية و الذات في سنواتهم الأولى.

التسلل بموازاة التحالف مع الآخر:

تسلل لطيف إلى العالم البشري فصار له صديقة جديدة يقضي معها وقتا طويلا و يفكر بها أكثر، و يبذل جهداً مضنيا ليحصل على الرمال السرية السحرية التي تنقلها إلى عالمه الخاص، و بموازاة الصورة نرى صورة “الإيموجي ” بردائه الأحمر، وجهه الطفولي يشكو انشغال صديقه عنه، فيجد حلا في التحالف مع السيد فيروس ليلفت الأنظار إليه و حسب، تماماً كما يختبيء طفل صغير انشغلت أمه عنه في طبق تعده في المطبخ خلف ستائر غرفته، و لا أفضل الذهاب إلى انعكاس هذه الصورة في الواقع الفلسطيني و إن كنت أراها واضحة في تاريخه حتى لحظة الآن.

تحالف غضبان مع السيد فيروس و كان تحالفه حالة من الخروج على القانون، التحالف مع الآخر جاء أيضاً للمرة الثانية، لكنه تحالف الإطار الرسمي مع حلا من العالم الموازي للخروج من أزمة اختراق الفيروسات للمملكة، و يبدو هذا تحالفا مباركاً فنتائجه ضئيلة و محددة وليس له آثار جانبية كتحالفات العالم الآخر الذي نعيش فيه حلا، و الذي نعيشه.

لا يوجد حقيقة في متن العمل ما يظهر المكان الذي تعيش فيه حلا، لكني كمشاهد منحاز قررت منحها هويتي، و مكاني، و ما أحمله حتى الآن من تراكمات، فكانت الرؤية على هذا القدر الانعكاس.

الصورة الفنية و أطفال حلوين:

يبدو الأمر جماليا و حيوياً بألوان متعددة، ووجوه طفولية، أطفال صغار يقفون، يقفزون يتحركون يؤدون أدوارهم و يشعرون بالمكان المسرحي و صخب اللحظة، و نكهة الحديث و طريقة نقش الكلمات و لفظها بترددات متنوعة متناغمة مع حركات الجسد قدم صورة حيوية طفولية، أن أصغي للأطفال و تترك لهم تلك المساحة لنقش الصورة، و رسم الكلمات بصوت طفولي و شهقات حيوية صبيانية يحافظ على النكهة الخاصة للنوع المسرحي ” مسرح الطفل”

أغنية الطفل و نكهة العمل:

أرى أغنية الطفل نكهة تشبه الملح في طبق الطعام، لن تجد طعامك لذيذا مستساغا دون رشة الملح بمقدارها المدروس بدقة، تظل نكهة الطعام في فمك مدة من الوقت حتى تغسل أسنانك و تذهب إلى طعام آخر، هكذا فعندما تخرج من عرض مسرحي كهذا ستمشي معك الأغنية في طريقك إلى البيت و إلى تفاصيلك الصغيرة.

لا تبدو ذاكرتي جيدة هذه الأيام، فقد عدت و معي فكرتي أغنيتين سمعتهما خلال العرض، لكني لم أكن على قدر من الحظ فأستعيد كلماتهما، أو صوت موسيقاها، أما الأغنية الأولى فكان سياقها تعريفي يشبه بطاقة الهوية التي نحملها، تحكي المملكة، قوانينها، تغني لحدودها، و تعزز روح الانتماء، أما الثانية فعرضت صورة العالم الآخر الذي تعيش فيه حلا من خلال ” الأم” الحالة المميزة لذواتنا كبشر هو انتماؤنا نحن إلى الأم وهي أول الحياة و أول الخلق، هكذا كانت الأغنيات حالات انتماء و حياة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

guest
0 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
زر الذهاب إلى الأعلى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x