الرأي الآخر الدّجل السياسي وقيمة الإنسان علم الدين بدرية لقد أصبحت قيمةُ الإنسان في عصرنا الحاضر ومكانته الاجتماعيّة والفكرية تقاس ب

الرأي الآخر

 

الدّجل السياسي وقيمة الإنسان

 

علم الدين بدرية

لقد أصبحت قيمةُ الإنسان في عصرنا الحاضر ومكانته الاجتماعيّة والفكرية تقاس بما يملك من المال والعقارات حتى ولو كان ذلك بطرق غير مشروعة ، بموجبها تتحدّد قيمة هذا الشخص أو ذاك  ، فمن يمتلك أمولاً وفيرة ، ارتفعت قيمته وأسهمه الاجتماعيّة والسياسيّة ومن كان فقيرًا فقد أية قيمة أو أهميّة ،حتى ولو كان قمّة في الأخلاق ونموذجًا في الفكر والثّقافة ، إلغاء الآخر وعدم الاعتراف بإنجازاته الحضاريّة وتهميشه وتقزيمه ، هو نفاق اجتماعي ودجل سياسي فاضح له جذوره التاريخية المتأصلة بعهود الإقطاع وتتحكم به النظرة الاستعلائيّة الخالية من الضمير والأخلاق ولها علاقة بالتكوين والنمط للجماعة الإنسانيّة ، تتيح للأقوياء وأصحاب رؤوس الأموال أن يبسطوا نفوذهم على حساب الفقراء ماديًا والضعفاء ، إن ذلك لا يمكنه أن يكون وضعًا سليمًا لأنه ليس وضعًا طبيعيًّا وصحيحًا.

إنّ الأخلاق والقيم العليا هي التي يجب أن تحدّد قيمة الإنسان ومكانته وليست المادة المتحكّمة في الواقع المعاش ، فهي لا تستطيع أن تحدّد الخير والشر أو الحلال والحرام مثلا.

قيمة الإنسان في المجتمع الاستغلالي والمتخلّف الاستعلائي أو الذي يسيطر عليه الرأسماليون والشرائحُ الاجتماعيّة الرجعيّة والطبقيّة تُحدّد حسب ما يملك من أملاك ومال ونفوذ ، حيث أن النظام الاجتماعي في مجتمع كهذا يُقرّر بأن قيمة الإنسان تكون بقدر ما لديه من أموال ، فيعترف بكل الطرق والوسائل للحصول على المال بغرض إحراز قيمة والوصول إلى مواقع التأثير والقرار .ومثاله الأعلى يقول : ( الغاية تبرّر الوسيلة).
حين تسود شريعةُ الغاب فان أكثر الأفراد قيمة هو الأكثر شراسة ووحشيّة وماديّة ونفوذ ، إن الذين يعيشون في مجتمع يُمارس الدجل السياسي يعرفون أن أكثر الأفراد قدرة على الكذب والنفاق والديماغوغيّة هم الذين يصلون دائما إلى السّلطة ، لأنهم يجيدون الرقص على جميع الحبال دون أن يصابوا بأذى!!

الحركات التصحيحيّة في المجتمع والتي تدعو إلى التغيير في العقليّة والمفاهيم هي حركات قليلة وضعيفة وليس لها تأثير يُذكر وسرعان ما تندثر كأنها لم تكن ،ليبقى وجهُ المجتمع الاستغلالي الذي يسيطر عليه ذو النفوذ الذين يستحوذون على ثرواته الماليّة وممتلكاته الماديّة وإمكانياته كلها ، ثم يحدّدون علاقة ظالمة مجحفة بالآخرين تجيز لهم تهميشهم وتقزيمهم وحتى إلغائهم من معادلتهم الاجتماعيّة والحياتيّة ، دون أن يشعروا بحرج أخلاقي أو وازع من ضمير .

أن العقليّة المادية تُقدّر قيمة الأفراد بما يملكون من ثروات وعقارات وإذا لم يكن للإنسان إلا قيمته الماديّة في قواميس مصطلحاتنا الحديثة فلا بد آنذاك من عوامل وروح تغيريّة في السياسة والأخلاق والمفاهيم ، ترفض جذريًا الواقع الاجتماعي الفاسد والتزييف السياسي وتهدف إلى بناء القيم الحقيقيّة والصحيحة التي هي القيم الإنسانيّة التي تضمن وتحقّق القيمة الحقيقيّة للإنسان، وتنبذ كل رواسب التضليل والتّزييف السياسي والفساد الاجتماعي ، وتسعى لخلق وضع وواقع آخر تتحقق فيه آدمية الإنسان وحرّيته وكرامته ، وبالتالي عدم طمس وجوده الفعال ، أن القبول بواقع اجتماعي يرفض ويلغي الآخر ويحدّد قيمته حسب ما يملك من مال وعقارات مرفوض مهما تشبث به الناس ، أو اعتادوه . عندما يكون الواقعُ الاجتماعي فاسدًا فإن التغيير يأتي من أرادة المهمشين كعمل إرادي يتدخل فكريًا وديمقراطيًّا لتغيير الأوضاع القائمة وتكييفها وفق مصلحة جميع أفراد المجتمع ، إن بعض مظاهر السياسة المحليّة لا تسعى إلى التبشير بواقع جديد ومفيد  وكل همها ينصبّ على المحافظة على واقعها السياسي ومكاسبها ونفوذها الاجتماعيّة والماديّة، بما يحقق أهدافها وطموحاتها الشخصية والطبقية بحيث تحافظ على ما هو قائم وتبرر استمراره ، بقصد مقاومة تغييره . ومن هنا على الفئات المستضعفة والمهمّشة أن تبحث عن بديل يضمن لها الكرامة والحرّية والقيمة الاجتماعيّة ، حسب القدرات والملكات الفكريّة والإبداعيّة ، من خلال كشفها للتزييف السياسي والفساد الاجتماعي والسعي إلى إلغائه وبناء الحياة السليمة لمجتمع جديد ، يتجاوز التخلّف ورواسب الفكر المادي له ، ويخلق واقعًا آخر يبشر بغد مشرق ويحدّد طريقًا واضحًا قائمًا على الاحترام بين فئات وشرائح المجتمع دون تمييز فرد عن فرد أو مجموعة عن أخرى إلا بقدراتها الإبداعيّة وعطاءاتها الاجتماعيّة وتضحياتها الإنسانيّة والحضاريّة التي ترقى بها فكريًّا وإنسانيًّا  .

الاسم :
البلد :
التعليق :