2021-02-09 13:32:06

نظرة في الموت والتعامل معه وعلاقته بأدب الأطفال بقلم: د. حسام خليل منصور محاضر في مجال أدب الأطفال مرشد في مجال أدب الأطفال - مركز الطفولة –

نظرة في الموت والتعامل معه وعلاقته بأدب الأطفال

بقلم: د. حسام خليل منصور

محاضر في مجال أدب الأطفال

مرشد في مجال أدب الأطفال - مركز الطفولة – عسفيا

 

نظرًا للنسبة الكبيرة لحالات الوفيات التي نشهدها في الآونة الأخيرة في القرى والمدن المختلفة خاصة في قريتنا عسفيا، ارتأيْتُ الحديث في هذه العجالة عن موضوع الموت والفقد وعلاقته بأدب الأطفال محاولا إعطاء بعض الحلول للتعامل معه.                                                                                                          بداية، الرحمة لجميع الراحلين والصبر والسلوان لأهلهم وعائلاتهم وأقاربهم.                                           الموت والفقْد والفقدان هو تجربة إنسانية عاطفية منتشرة، ويمكن أن تحصل في حياة كلّ إنسان مِنا كبيرًا كان أم صغيرًا، إذ أنّ كلّ إنسان معرّض لفقد شخص عزيز عليه من أفراد الأسرة أو قريب منه. وقد يحصل الفقد بشكل فجائي أو مفاجئ، مثل الموت في حوادث مختلفة، حروبات، زلازل طبيعية، قتل، وقد يحدث ذلك بسبب أمراض.                                                                                             ويبرز الشعور بالفقدان خاصة عندما تكون لنا علاقة خاصة وذات أهمية مع الشخص الرّاحل وما ينتج عن ذلك من الحزن والأسف على فقدانه والشوق إلى ذكريات اللقاءات معه والتواجد بقرْبه والمستقبل المشترَك الذي لن يتحقق بعد وفاته، خصوصا داخل النواة الأساسية لأسرة الفقيد. ويزداد هذا الأمر خاصة إذا كان الفقيد هو الأب، وما يعتري الشخص الفاقد خاصة الطفل من الخوف والقلق من عدم الاستطاعة والقدرة على الاستمرار في الحياة كما يجب كوْن الأب هو المسؤول عن تلبية وتوفير متطلبات أفراد الاسرة الأساسية سواء كانت الشعور بالأمن والأمان، أو الاجتماعية أو الاقتصادية، الأمر الذي يفقده الأمان ويزعزع ثقته بنفسه بعض الشيء.                                                                                          وقد طرحت الطبيبة والخبيرة النفسية السويسرية إليزابيثكوبلر روس بهذا الصدد، نموذجًا أو موديلا في كتابها عن الحزن والوفاة (الكتاب باللغة الإنجليزية ومترجم للغة العبرية). ويتضمن هذا النموذج خمس مراحل للحزن على النحو الآتي:                                                                        مرحلة الإنكار، مرحلة الغضب، مرحلة المساوَمة، مرحلة الاكتئاب، مرحلة القبول أو التأقلم.                                                                                       

1) مرحلة الإنكار: تُساعِد هذه المرحلة الشخص المتعرّض للصدمة على النجاة الأولية منها إذ يتعامل معها كأنها لم تحدث بالفعل.                                                                                                               

2) مرحلة الغضب: يَغضب المُصاب في هذه المرحلة على الواقع ويُصبِح التعامل معه أصعب.                                                                                       

3) مرحلة المساوَمة: يعود الأمل مرة أخرى للشخص المتعرّض للصّدمة خلال هذه المرحلة، فيحاول التعامل مع الصدمة من خلال المساومات، وتساهِم هذه المرحلة أيضا بتجنُّب أعراض الحزن والألم، والشعور بهدوء نسبيّ.                                                                        

 4) مرحلة الاكتئاب: المرحلة الأولى من مراحل الاعتراف بالواقع، حيث يَعي الإنسان المتعرِّض للصدمة أنه لن يُفارِق شخصًا عزيزًا واحِدًا، وإنّما كلّ الأشخاص والأشياء التي منحته معنى أثناء حياته.                             

5) مرحلة القبول: مرحلة عودة الاستقرار النفسي والذهني الداخلي والخارجي للشخص المتعرض للصدمة، وهو أنّ لهذا الشيء نهاية، ويتعلّم العيش مع الحاضر والمستقبل والاستمرار في الحياة.                                                             

يوجد انعكاس وإبراز لهذه المراحل في قصّتي بعنوان " حياتي مستمرّة " الصادرة عن دار الحديث للإعلام والنشر بإدارة الأستاذ فهيم أبو ركن، وهي لأجيال 10 - 15 سنة، ويمكن الرجوع إليها.                                     

ويصعب هذا الأمر أكثر بالنسبة لتعامل الأطفال معه وشرحه لهم، خاصة عند بداية الطفل بالأسئلة عن إمكانية عودة الشخص الميت وزمن العودة، والجواب هو سلبي، ولكن إعطاؤه الجواب من البالغين هو الصعب.

للتعامل مع مسألة الموت والتأقلم مع الوضع الجديد بشكل عام، وعند الأطفال بشكل خاص، أطرح بعض الأدوات والحلول:                                                                                                                   

1) إعداد ألبوم يشمل صور الفقيد منذ صغره حتى لحظة وفاته، وتوجد في ذلك مساهمة في كيفية التعامل مع الموت والفقد أو الفقدان.                  2) القيام بأعمال كان يقوم بها الفقيد أو بتحقيق أحلام وطموحات كان يصبو إليها.

3) استعمال أدب الأطفال كوسيلة مفيدة للتعامل مع هذا الموضوع. أدب الأطفال كمجال، يُساهِم في موضوع التربية، اللغة، فهم المقروء، وأيضا بعلاج بعض الصعوبات ومنها الفقدان، ومن هنا تأتي أهميّة القصة في التعامُل مع هذا الموضوع. وينقسم هذا الاستعمال لأدب الأطفال إلى نوعين:                                                                                       

أ) يمكن قراءة القصص العلاجية التي تتحدث عن هذا الموضوع وكيفية تعامُل الشخصيات الفاقدة معه، وهذا يُسمّى باللغة المهنيّة " البيبليوثيرابيا " (العلاج بالقراءة). يمكن أن نجد بعض القصص العلاجية التي تتحدث عن هذا الموضوع، منها: " حياتي مستمرّة " (لكاتب هذا المقال)، "حكاية فراشة"، "الأرنب المفقود" (رفيقة عثمان)، "حنان" للبروفيسور الباحث جريس خوري وغيرها.                                                                                                   ب) كتابة قصة عن الفقيد وصفاته، إرفاقها بالرّسومات والصّور، وقراءتها من فترة لأخرى، وهكذا يبقى في الذّاكرة.                                                                                     

البيبليوثيرابيا أو العلاج بالقراءة هي استعمال مواد مكتوبة لكَسْب العلاج بالقراءة الفهم والتعاطف والانخراط في حلّ المشكلات ذات الصلة بحاجات الشخص العلاجية. وهي أيضًا علاج أو إعانة نفسية وعاطفية بواسطة أنواع النصوص الأدبية المتنوعة مثل القصة وغيرها، ويتم ذلك من خلال ارتباط هذه النصوص بتجربة شخصية حصلت أو تحصل مع الطفل وتترك في نفسه أثرًا. ويَسْمَح عندها النصّ الأدبي للطفل أو الشخص، التعبير عن  أحاسيسه وعمّا يجول في خاطره وذلك بهدف إراحته نفسيا وعاطفيا، التحرُّر من الضغوطات والقيود النفسية التي يشعر بها، الشعور بالهناء والسعادة عند دخوله إلى عالَم الخيال عن طريق النصّ الأدبيّ والامتزاج بشخصيات النصّ الأدبي، وتنفيس مشاعره من خلال إسقاطها على هذه الشخصيات ورمْي كلّ مشاعره ومخاوفه عليها دون أن يضرّ أحدًا، وهذا يساعده على التخلص من المخاوف التي يُعاني منها، وعلى إزالة بعض الارتباك والحواجز والمشاكل اليومية عنه لبعض الوقت. كذلك يتضامن الطفل الذي مات أحد أفراد أسرته مع الشخصيات الموجودة في القصة بأفكارها وشعورها وأحاسيسها، ويعرف أنه يوجد غيره بنفس الحالة ممّا يخفِّف من معاناته وحزنه ويأسه، كما يجب التشديد على معنى الحياة وأهمية استمراريتها.

إضافة إلى ذلك، يمكن الإجابة عن أسئلة الأطفال حول الموت وعَدَم التهرّب، بل الحديث معهم من فترة إلى أخرى عن ذلك، لأنّ الموت هو حالة تحصل من وقت لآخر في الحياة اليومية، لذلك من المفضّل أن لا ننتظر وقت حدوثها للتكلّم عنها، فتكون كالدّواء الذي لا يفيد كما يقول البروفيسور الباحث أدير كوهين في كتابه عن البيبليوثيرابيا – العلاج بالقراءة (الكتاب باللغة العبرية). لكن، يجب أن نتذكّر، أنّ هذا الحديث يجب أن يكون في الوقت المناسب وفي مراحل عُمريّة ملائمة، وبالقدر المناسب، ومن المفضّل والأحسن استشارة المختصّين.

ملاحظة: يعتمد هذا المقال على كِتابي بعنوان: "إضاءات على أدب الأطفال – لماذا؟ كيف؟ إلى أين؟"، دار الحديث للإعلام والطباعة والنشر، 2019

الاسم :
البلد :
التعليق :