2020-12-16 22:18:13

الأنسنة في القصة القصيرة (حفنة حظ) للكاتبة شهربان معدي بقلم: الناقد علي الجنابي - العراق تتسم قصص الكاتبة الفلسطينية شهربان معدي بالإنسانية

الأنسنة في القصة القصيرة (حفنة حظ) للكاتبة شهربان معدي

بقلم: الناقد علي الجنابي - العراق

 

تتسم قصص الكاتبة الفلسطينية شهربان معدي بالإنسانية الواضحة والطافحة، التي تبدو كسمة بارزة بل رئيسة في نتاجها القصصي بالمجمل... ففي قصة (حفنة حظ) تحكي الحالة الإقتصادية والإجتماعية من ثمّ النفسية التي يمر بها عامل نظافة في (كراج)، يعاني شظف العيش تارة، وتارة سوء معاملة رب عمله، وأخرى زوجته السليطة اللسان؛ مما ترك فيه آثاراً نفسية عميقة، تارة تحمله على الصبر، وتارة تقوده الى التذمّر.

كل ذلك وهو مازال متمسكاً، بل باحثاً عن كرامته التي يكاد يفقدها، في مجتمع يُقيّم الناس في ضوء ما بحوزتهم من مادة.

لكنه لم يفقد الأمل في أن يسعفه الحظ، حتى عثر على محفظة نقود رجالية مُكتنزة، فالتقطها مستحوذاً عليها. لكنه دار في دوّامة من مشاعر متضاربة، فمرة يحمد الله لهذه اللّقيا، و (لقيا الله حسنة)، كما يُعبّر، ومرة يحدّث نفسه بأنّه لم يُطعِم أولاده – يوماً - مالاً حراماً. وبينما هو متردد في الأمر، سرح في واقعه، وهو يستحضر واقع أحد أصدقائه الذي أصبح غنيّاً، لا يُسألُ عن ماله كيف أتى، قرر أخذها والتّنعم بما فيها من مال، وهو يرسم الأحلام الوردية. حتى أنه دخل البيت مُتخفّياً، نحو غرفة النوم، ليفتحها ببطء، فيُصْدَم... حيث وجدها محشوة برزمتين من المناديل الورقية مع بطاقة مدرسية لصبي.

 فلم يأسف لذلك، وطالما حاول القناعة بغنى النفس والكفاف، و لم يعتب على الأمل الذي رحل، بل عتبه على الحظ الذي يزيغ عنه طيلة الوقت، وهذه المرة أصاب منه المقتل.

يتبلور أسلوب الكاتبة (شهربان معدي) في قصة (حفنة حظ)، في توظيف الاستفهام بشكل جلي. فمنذ المطلع جاءت التساؤلات على لسان البطل بشكل متكرر (لا مكرر)، لتحيل القاريء الى جملة النوازع النفسية والعاطفية التي يعيشها، على نحو:

 (أنا مجرد عامل نظافة.. عامل نظافة! من يكترث لأمري.. أو يهمه مصير أولادي وما أعانيه في هذه الحياة القاسية! أليس لديّ مشاعري ولديّ كرامتي..؟ ما باله صاحب الكراج المنحوس، ينفضني كسجادة مُتهرئة كلما أغاظه أحد زبائنه؟)

و (ولكن ما يجبرنا تحمّل المُر إلاّ الأشد مرارة منه!)

و (ألا يكفيني زوجتي السليطة اللسان وأولادي الخمسة الذين لا يُرحّمون! وشرنقة الفقر التي حُشرت بها مُذ نعومة أظافري)

و (أليست هذه المحفظة لُقيا؟)

و (أين كنت كل هذه السنوات من عمري؟)

هذه والكثير من الاستفهامات العديدة التي أثرت حبكة النص بالمزيد من الانطباعات والاشارات البلاغية التي تحكي حال البطل.

كذلك استثمرت المثل: (بيت العنكبوت كثير على اللّي بموت)، وهي أشارة الى مدى التردي النفسي الذي يمر به الرجل، حيث أنّ بيت العنكبوت أوهن البيوت، كما جاء في الذكر الحكيم: (وإنّ أَوهن البُيوتِ لَبيتُ العنكبوتِ لو كانوا يَعْلمون) العنكبوت/ 41

كما وظفت تقنية الإسترجاع، على نحو: (وتذكّر أنه كان طالباً موهوباً في الإبتدائية،... ولطالما لقّبته إحدى معلماته بالأرمني لتعدد مواهبه!).

وكذلك التشبيه نحو: (ينفضني كسجادة مُهترئة)، وهو تشبيه ذكي من الكاتبة، حيث جاء منسجماً تماماً مع عالمه المهني الذي لا يغادر تفكيره.

وهناك التناص، الذي جاء بنحو استفهامي أيضاً: (ولكن ما يجبرنا تحمّل المُر إلاّ الأشد مرارة منه!)، مستلهمة أغنية شهيرة للفنان كاظم الساهر يقول فيها: (شجابرك على المر غير الأمَر مِنّه).

.....................

أما ما يؤخذ على النص من الناحية الأسلوبية، هو إلحاح الكاتبة – في بعض الأحيان - في إيصال الفكرة الى المتلقي من خلال الإمعان في سرد الأحداث الجزئية المكررة أو شبه المكرر، لكنها بالتأكيد لا تشكل خللاً في بنية السرد الرصينة.

ومن ذلك: (المكنسة الفارعة الطول، صاحب الكراج، لُقيا.. ولقيا الله حسنة).

وفي ذات السياق: (وتذكّر أنه كان طالباً موهوباً في الإبتدائية، ... ولطالما لقبته إحدى معلماته بالأرمني لتعدد مواهبه!).

أولاً: فاتها، وهي التربوية القديرة أن تقول (تلميذاً موهوباً في الإبتدائية)، بدلاً من طالب.

وثانياً: لماذا (إحدى معلماته؟)، لماذا لم تكن: معلمته؟ في سبيل التكثيف، ومعلمته بالتأكيد هي إحدى معلماته.

ثالثاً: (لتعدد مواهبه)، تعليل زائداً، مادام أننا قلنا سلفاً بأنه موهوب.

.....................  

 حفنة حظ. مفهوم الحظ عادة ما يتعلق بانطباعات نفسية وعاطفية، لا تنطلق من أسس علمية أو منطقية... وهو يتعلق بالأفراد أكثر منه بالجماعة. إلاّ أنه بات من البديهي سماع نعت مجموعة كاملة به، كالفرق الكروية في مباريات كرة القدم أو غيرها. حيث يوصف الحظ كتبرير انتصار فريق ضعيف مثلا، على فريق قوي. وقد ساد مؤخراً إطلاق (ضربات الحظ) على ضربات الجزاء أو ضربات الترجيح كما تسمى. في حين أن الفريق يتكون من مجموعة من الضمائر ذات الانطباعات والاستعدادات النفسية المتباينة.

وفي ضوء ذلك نجد أن العنونة تتناسب مع المتن، بل مثلت بوابة الشروع إليه.

 ومن خلال معطيات السرد وسياقاته الحكائية ولغته القصصية نرى أن  (حفنة حظ)، إضافة سردية مرموقة لعالم السرد القصصي، قدمت بلسان الراوي تارة، وبلسان البطل تارة أخرى.

على أنّ مهنية الكاتبة جعلتها تلتزم الحياد ولم تنحاز الى بنات جنسها: (تبّاً لمعشر النساء! لا يُقدّرن الرجل إلاّ من خلال حجم محفظته..). وهي تسرد قصتها ببساطة تعبير وعفوية فكرة، من دون تكلّف أو فذلكة، بشكل يتناسب طرديّاً مع موضوعة النص ذات المنحى السايكولوجي الواضح والنزعة النفسية المفعمة بالمشاعر، استطاعت من خلالها سبر أغوار النفس الإنسانية، مسلطة الضوء عليها ، بغية الإلتفات إليها وصيانتها ورفدها، وذلك من خلال عامل النظافة ؛ ذلك المواطن المسلوب (الإرادة، والقوة، والدخل، وربما الكرامة)، خصوصاً في مجتمعاتنا الشرق أوسطية، وقد نجحت في ذلك. كما حاولت من خلال البطل، التذكير بأنّ القيم الإنسانية السامية خالدة في النفوس، و التي يجب التمسك بها في أحلك الظروف التي يمر بها الفرد.

أخيراً، لا يسعني إلاّ أن أحيي الكاتبة (شهربان معدي)، متمنياً لها دوام الابداع والتميّز.

 

علي الجنابي – العراق

الاسم :
البلد :
التعليق :