"المُشْتَرَكَةُ" بَيْنَ إِشْكالِيَّةِ القِيادَةِ وَالتَّهْميشِ! د. جـودت عيـد - حيفا سبق وكتبت عدّة مرّات عن موقفي الرّافض "للقائمة المشترك

"المُشْتَرَكَةُ" بَيْنَ إِشْكالِيَّةِ القِيادَةِ وَالتَّهْميشِ!

د. جـودت عيـد - حيفا

سبق وكتبت عدّة مرّات عن موقفي الرّافض "للقائمة المشتركة" من منطلق مسؤوليّة وطنيّة وشخصيّة ووافقني البعض، لكن شتمني بعض آخر واتّهمني بصفات غير موضوعيّة تغيب عن التّفكير المنفتح والمسؤول، وكان من الصّعب أن يدرك هؤلاء أنّ النّقد ضروريّ والاختلاف بالرّأي واحترام التّعدديّة هو من مكوّنات الحالة المجتمعيّة السّليمة. من هنا أجد نفسي، مرّة أخرى، أمام التّاريخ والضّمير الوطنيّ الذي يدفعني للكتابة في هذا السّياق لطرح رأي يشكّل صوت كثيرين من الذين يلتزمون الصّمت إِمّا بسبب خوف من تضييق شخصيّ أو مجتمعيّ عليهم، أو بسبب لا مبالاة اجتماعية وبالتالي قبول الموجود ورفض كلّ مبادرة حزبيّة أو فكريّة جديّة ممكنة، جرّاء انعدام جاهزيّة مجتمعيّة لتقبّل رأي مختلف.  

لقد أضعنا البوصلة وفقدنا الثّقة بالقيادة منذ أجهزت "شخصيّات" تشكيل "المشتركة" على الأحزاب التي كانت تمثّل تعدّديّة مجتمعنا، وحوصرنا بظاهرة الحزب الواحد الذي حرق معالم المجتمع الفلسطيني الاسرائيلي وشوّه حضوره النّضالي جرّاء تركيبة تضادّ قسريّة فرضها "صراع البقاء" وخوف "القيادات"، وانضمامهم الى ائتلافات "لا مناص" غير مقبولة وغير منطقيّة فكريّا وحركيّا. لتشكيل قائمة واحدة لا تحتمل ذاتها ولا تركيبتها الى درجة الاحتراب الدّاخلي المعلن وغير المعلن، ولتحرمنا من مساحة اختيار تمثيل حقيقيّ لمواجهة ترسانة السّلطة ومنهجيّة التّهميش. على ضوء توقّعات لإنتخابات مقبلة قريبًا، قمت بمراجعة لبعض المحاور من مضمون الإعلام الانتخابي "للمشتركة" وحتى حضورها الميدانيّ، فبعد نتائج الانتخابات الأخيرة في آذار 2020 التي أظهرت ازدياد عدد المقاعد "للمشتركة"، كانت نشوة لدرجة اعتبارها دالّة وعي سياسي لدى مجتمعنا! لكن الكلّ يعرف بأن طرح اليمين اليهوديّ المتطرّف كان محفزّا للعرب للتّصويت وبالضّرورة "للمشتركة" بسبب الحالة المشاعريّة التي سبّبها ذلك الطّرح. في قراءة أعمق للنتائج، نجد انهيارا لليسار الاسرائيلي ورأينا تداعياته لاحقا في الانتخابات التي تلت، وبدل أن تواجه "المشتركة" تطرّف المجتمع الاسرائيلي اليمينيّ بتطوير استراتيجيّة وتطوير خطّة عمل، نراها تنشغل باحتفالات النّصر غير المفهوم، التي سبقت الاحتراب الدّاخلي بهُنيهات!

 كفكرٍ حرّ، نؤمن أن محاربة الظّلام بالظّلام في النّهاية يكون انتصارا للظّلام، ولكن للأسف أدّى إعلام اليمين المتطرّف والوقح إلى أن يعتمد إعلام "المشتركة" الانتخابي ذات النّهج في "التّخويف" وتوسيع الهوّة والشّرخ بين مركّبات المجتمع، بانعدام أجندة واضحة، ليقنع المنتخب بأنّ "المشتركة" دون أحزاب اليسار الاسرائيليّة هي الوحيدة القادرة على دحر اليمين، الذي ما زال حاكما حتى هذه السّاعة وتتماهى معه حتى بعض شخصيّات "المشتركة" علنًا وسرّا. إلى جانب "التّخويف"، للقيام بمهمّة الإقناع، هناك من اعتمد في "المشتركة" الخطاب الدّيني الفئويّ الذي يلغي الشّراكة النّضاليّة الوطنيّة الشموليّة، وهناك من اعتمد المنحى الجندريّ وتجييش النّساء كقوّة انتخابيّة وحتى تخصيص مقعد في القائمة لإمرأة، الذي بحدّ ذاته تمييزا ضد المرأة بحيث يتمّ التّعامل معها على أساس تمثيل جندري وليس على أساس كفاءة ودور طبيعيّ في المجتمع، وهناك طبعا من اعتمد المفهوم العائليّ والحمائليّ لدعم القائمة وفق مصلحة تبادليّة، وهذا نراه في كلّ انتخابات قطريّة أو محلّية.

قد تعتمد "المشتركة" نفس القواعد في انتخابات مقبلة وإذا تفتّتت فسنرى الأحزاب التي شكّلتها ستعتمد ذات القواعد لكسب الأصوات، فالتّهافت على التّصويت وفق مفاهيم قبليّة وفئويّة، سببه غياب طرح سياسيّ وطنيّ مقنع وغياب قيادة قادرة على كسب ثقة واحترام الجمهور وأيضا المؤسّسة الحاكمة. ما يؤدّي الى اعتماد  المناورة على محاور العائليّة والجندريّة والطائفيّة التي كلّها تسهم في شرذمة هذا المجتمع أكثر، الأمر الذي يكلّف المجتمع كـ- كوليكتيف في نضاله لنيل حقوقه في الدّولة اليهوديّة، كأقليّة فلسطينيّة لها تراث وحضارة وأخلاقيّات ثقافيّة وفكريّة.

كما طرحت، بُعيد الانتخابات الأخيرة، مقالة المستشار الاعلامي "للمشتركة" بالعربيّة والعبريّة هذا المنحى حيث عرض القواعد التي اعتمدها مكتبه وحقّق فوزا "للمشتركة" بـ 15 مقعد، وارتكزت على الجانب الذي يحاكي مجتمعنا فئويّا وطائفيّا وجغرافيّا، بدل الخطاب الوطنيّ النّاهض، ويعتمد على تفكيكه الى خانات ومجموعات مستهدفة: ""نحن العرب نحب القوّة ونريدها أيضا"، "خلقت الحملة شرائح ناخبين متعددة، تم استهدافها بشكل عينيّ ومقصود بالطريقة التي تناسبها إعلاميًا وسياسيًا لرفع نسبة التصويت فمثلا تمحورت الرسائل الموجّهة للجمهور العربيّ الدرزيّ بقانون القوميّة وبالمرشّح العربيّ الدرزيّ بالقائمة، مما ضاعف قوّة المشتركة ثلاث مرّات في أوساط العرب الدروز. وهذا ما حصل أيضًا في النقب وفي شرائح أخرى، كالنساء حيث كان قلب الرسائل موضوع مضاعفة التمثيل النسائيّ من نائبتين إلى أربع نائبات". بالتّالي نرى، اعتماد "المشتركة" لنفس الثّوابت التي نعاني منها كمجتمع من أجل الوصول الى النّاخبين. انهزام مفاهيم القيادة وانعدام هامات جريئة وكاريزماتيّة مقنعة لتقف في عين العاصفة من أجل خدمة أجندة أقليّة مضطهدة، يسهم في ترسيخ وتذويت الفكر والسّلوكيات الفئويّة الضّيقة واتّساع الشّرخ بين فئات المجتمع، ما يؤدّي الى اغتراب فكريّ ونفسيّ.

 

كثيرون لا يعتبرون "المشتركة" جسما قياديّا يمثّلنا، بل على العكس، فإنّه يسهم بفرز الأقليّة في خانة تقطّب فئويّة ضيّقة. لم تتعامل "المشتركة" بذكاء مع تطرّف الحكومة واليمين ولم تنجح في دحره وإنّما خدمته بشكل مباشر وغير مباشر، وبدل أن تحرج الدّولة أسهمت في إبرازها بصورة مقبولة في المحافل الدوليّة، ولم تحترم علاقتها مع السّلطة الفلسطينيّة، ولم تعزّز الحضور الإيجابي للأقليّة الفلسطينيّة في البلاد، ولم تعمل بحنكة سياسيّة في التّفاعل مع الدّولة ومؤسّساتها، إضافة الى أداء ميدانيّ محدود في أمور مجتمعيّة شائكة مثل العنف، وباء الكورونا، البطالة وغيرها، مع احترامي للجهود المبذولة في لجان الكنيست. التّهميش الممنهج يفرض حضوره علينا كأقليّة وعلى "ممثّلينا" في كلّ المرافق والمحافل الرّسمية وغير الرّسمية والمؤسّسات والوزارات والإعلام ولا توقّعات من هذه الحقبة. آن أوان تجدّد وتغيير الفكر والنّهج القياديّ وبناء استراتيجيّة وخطط عمل مدروسة تليق وترتقي بشعبنا وبطموحاته وبثقافته وبتعدّديته وبخصوصيّته كأقليّة وطن، لأننا نستحق أفضل.

الاسم :
البلد :
التعليق :