أسود بلا براثن!! ولماذا الشاعرة هيام أبو الزلف كادت تبكي في المظاهرة؟؟؟

لماذا الشاعرة هيام أبو الزلف كادت تبكي في المظاهرة؟؟؟

أسود بلا براثن وأنياب

بقلم: هيام أبو الزلف

كنت على وشك جلد ذاتي لمشاركتي في مظاهرة الأمس من أجل إبطال قانون القوميّة العنصريّ. لكنّي زجرت نفسي قائلة: "تروّيْ. حاولي أن تنظري إلى مجريات الأمور من أكثر من زاوية.

وصل ساحة رابين ما يربو عن 40 ألف من الدروز اعتمادا على عدد الحافلات التي انطلقت من قرانا، عدا عن السيارات الخصوصيّة التي وصلت، وهذا يعني أن الجماهير المتضامنة من اليهود شكلت ما يزيد عن المئة وعشرة آلاف شخص. ((بعض المواقع تدعي وصول 50.000)) هذا العدد الهائل كان له خطابه وهتافاته. فقد صدحت الحناجر مطالبة بالمساواة حينا، وباستقالة بنيامين نتنياهو أحايين أخرى، وعلت أصوات تطالب الفاسدين بالتنحي عن مناصبهم. هذا العدد من النّاس كفيل بأن يحدث زلزالا سياسيا وإن غدا لناظره قريب. وشيء آخر يبرّد الحسرة وهو عدد النساء اللواتي شاركن بالمظاهرة. وجودهنّ كان مشرّفا لولا أنهن لم يأخذن دورا فعالا في التنسيق والإخراج واختيار الخطاب والمضمون.

من ناحية أخرى، وجدت هذه الجماهير "سيناريو" جاهزا لفيلم معدّ بإحكام، من حيث سيرورة الأحداث وحبكتها منذ البداية إلى النهاية، ومن سيعتلي المنصّة من الممثلين. حتى أنهم حاولوا التحكم بمقدار ونوع الاحتجاجات الناجمة عنا كمتظاهرين، فقد جاء صوت قادم من المنصّة "الرجاء ارفعوا أعلام الدّولة كما ترفعون علمنا الدّيني" فكان علي"بقّ" أول حصاة: صحت قائلة: لماذا هذه الأعلام أصلا؟ كيف السبيل إلى إقناع السلطة بأننا لسنا في جيبها الصّغير؟"، فوجدت عشرات العيون المحملقة تحدّجني، وعشرات الألسن تقول: "هسسسسس، لسنا ضد الدولة، نريد استعادة الدولة"، فبلعت الحصوات الأخرى. نفس الصوت من المنصّة: "تذكّروا، نحن لسنا ضد رئيس الحكومة". "نحن هنا من أجل إبطال القانون"!! ما هذا المنطق؟ كيف يمكن ألا نكون ضد من سعى إلى سن القانون، وإلى من يجد له المبررات ويزيّنه بالحسنات؟ "لماذا ترفعين هذا الشعار؟ لا لتسييس المظاهرة" صاح أحدهم بي. ولكن قانون القوميّة ناجم عن سياسة قذرة، لماذا لا نحاربهم بسياسة نظيفة صحت به؟ "أمي أرجوك، ضعي هذا الشعار جانبا وارفعي الآخر"، قالت ابنتي برجاء.

وبدأت الخطابات شديدة اللهجة من جانب رئيس الدولة ورئيس بلدية تل أبيب، ومدير الموساد السابق فلم يقم بإسكاتهم أحد. أما خطابات الناطقين بالضّاد العبريّة، فقد جاءت مهادنة، متباكية، ومترفقة بمن لديه عدة ملفات فساد في شرطة إسرائيل.

الخطابات كانت طويلة مكررة المضامين.

الوقوف المتواصل ذكرني بأنني رهينة الحافلة. 

كدت أبكي ندما لأنني لم أستجب لاقتراح ابنتي بأن نسافر بسيارتنا، لنعود متى نشاء. لو فعلت، لعدت أدراجي بعد مرور 5 دقائق على بدء الخطابات. من جهة أخرى كنت سأخسر الاستماع إلى الخطاب الناّريّ لممثلتنا النسائية "سبيل خطّار" أبنة يركا التي وضعت النقاط على الحروف معبّرة عن آلامنا وهواجسنا.

بقي أن أوجه خطابي إلى المتحدثين باسمنا من القيادات الدينية والسياسية ورجالات الجيش. خطابكم لم يمثل المثقفين العلمانيين الّذين تم إقصاؤهم بقصد، ولم يمثل العامّة. من قال أن تحصيل الحقوق الأساسية كالإحساس بالمواطنة والشعور بالانتماء والحصول على فرص العمل هو رهن الولاء الأعمى والخدمة العسكريّة؟

 قبل سن قانون القوميّة العنصريّ، لم نلمس يوما أننا كنا مميّزين عن بقية السكّان الأصليين من النّاطقين بالضّاد.. مثلهم دفعنا الضرائب، مثلهم حوصرنا وما زلنا نحاصر في جيتوهات فوضويّة بلا خرائط هيكليّة، وإن بنينا على أرض آبائنا وأجدادنا تعرضنا لدفع الغرامات الباهظة مع شبح التهديد بهدم ما بنينا. مثلهم تم إهمالنا وإهمال أجيالنا الجديدة التي لم تعامل ولن، كمورد بشريّ مفيد للمجتمع والدّولة.

لا يا قيادتنا السّياسة والدينيّة، لا يا رجالات الجيش. ليس هذا هو خطابنا، لم نكن هناك لنبكي إسرائيليتنا التي سرقها قانون القوميّة، فهي مسروقة منذ قيام هذا الكيان. سرقتها الأحزاب اليساريّة التي لم تفكر حتى العام 1977 بإسقاط الغبن عنا. وهي تبدو كمن يلتف اليوم حولنا ويحتوينا، لكنها تلتف علينا لتعود إلى دفة الحكم بواسطتنا. ولا أتكلم عن الجماهير الشعبية الّتي جاءت لتتضامن معنا بصدق.

جئنا إلى المظاهرة بنوايا طيبة، آملين أن يكون خطاب ممثلينا أكثر حرافة، لكن في أسوأ كوابيسي، لم أتخيل أن أترك المظاهرة مطأطئة الرأس، على وقع نشيد أملهم هم، وحدهم. نشيد أملهم كان على حساب أراضينا التي صودرت، وخيبتنا ويأسنا.

يمكن القول أنها لم تكن مظاهرة بالمعنى الحقيقي الطاهر. إنها تظاهرة ولاء سوف تثبت لنتنياهو بأننا أسود بلا براثن وأنياب.

ولن أجلد ذاتي، فعزائي أن خطاب الجماهير مختلف!!

الاسم :
البلد :
التعليق :