2020-11-05 20:13:38

العالِم الذي يكتب للأطفال محمد حسين حجيرالت بقلم: سهيل كيوان

العالِم الذي يكتب للأطفال

محمد حسين حجيرات

بقلم: سهيل كيوان

إلى جانب قصة الأطفال حول الأخلاق الأساسية والدين والتراث والمشاعر الوطنية، والقصة التاريخية والخيال العلمي، والترفيه، والحاجات اليومية، نحتاج إلى قصص تحوي حقائق علمية أساسية، أي أن تجمع بين المتعة والعلم، وهذا موجود ولكنه قليل، لأننا نحتاج إلى كاتب على دراية في العلوم، وأعتقد أنه أمرٌ نادر، فليس سهلاً أن نجد كاتباً عالماً، أو عالماً كاتباً.

هذه الميزة نجدها في شخصية عالم الكيمياء الفيزيائية بروفيسور محمد حسين حجيرات، وهو عربي فلسطيني من قرية عرب الحجيرات البدوية (بير المكسر) القريبة من الناصرة.
حصل حجيرات على الدكتوراة في موضوع الكيمياء الفيزيائية من الجامعة العبرية في القدس عام 1985.
ثم تنقل في دراسته وأبحاثه بين الولايات المتحدة والمكسيك واليابان وأوروبا، وله مقالات علمية وأبحاث عديدة في مجاله، ويشغل منصب رئيس قسم الأبحاث، ومحاضر في موضوع العلوم في الكلية العربية الأكاديمية في حيفا.
استضفناه في نادي القراء في مكتبة بلدتنا العامة، ليحدّثنا عن تجربته الحياتية والعلمية والأدبية.
استهل حديثه قائلاً: ليس محظوظاً من يولد مع ملعقة ذهبية في فمه، والعكس هو الصحيح، فأن تولد بدون هذه الملعقة أفضل بكثير، هذا ما أشعر به بعد تجربة حياة، فلولا الحرمان الذي عشته، والكدّ والاجتهاد والمسؤولية منذ طفولتي، لما وصلت إلى ما وصلت إليه، فقد اكتسبت في طفولتي البدوية تجارب كثيرة من بيئتي، وهذا شكّل زاداً لي طيلة حياتي، وأضاف لي الكثير في مشواري العلمي والأدبي فيما بعد.
بدأ صراعي لأجل الحياة منذ صرختي الأولى، فقد تعسّرت ولادة أمي بي، ولم يكن وقتها سيارة متيسّرة في بلدتنا النائية، فأخبرَتْ القابلة والدي بأن عليه أن يختار بيني وبين أمي، فاختار أمي، وأنا حقيقة أحيّيه على موقفه، فقد كان يحبّها جداً، إلا أن والدتي لم تتنازل عني وتمسّكت بي، وقرّرت أن تلدني حيّاً مهما كانت النتيجة، وهكذا نجوت أنا ووالدتي، ولهذا أنا نصيرٌ للمرأة، حتى ولو كان على حسابي في أحيان كثيرة.
عشت في أسرة من أربعة عشر نفراً، كنت بينهم واسطة العقد، ومثل أي بدوي، قضيت طفولتي في الحقول والمراعي مع الحلال في هضاب الجليل، وكانت تمر أسابيع أغيب فيها عن البيت، لأنني كنت مع القطيع، حتى صرت أعرف نباتات الأرض وأحياءها جيّداً، وهذا أفادني كثيراً فيما بعد، فقد علّمتني الطبيعة أكثر من المدرسة.
ويضيف حجيرات: في طفولتي لم أشعر بحنان الأب أو الأم، فقد كان والدي البدوي يأنف من التعبير عن مشاعره، ولا أذكر أنه ضمّني أو قبّلني، ولم يحضنني سوى مرة واحدة، وذلك عندما ودّعني في إحدى المرّات عند سفري إلى الجامعة، ولكن كنت أعرف أنه يحبني، وعندما أحضرت اللقب الأول إلى البيت وكانت الشهادة في وعاء كرتوني أسطواني، قال لي: إن هذه العلبة تصلح للقهوة، أما أمي فقد كانت مشغولة دائماً.
في إحدى المرات وعندما كنت على الحصان في المرعى، ترجلت عنه، ولا أعرف كيف التفّ الحبل حول ذراعيّ، وجُنّ الحصان، وعدا مثل الريح وجرّني وراءه مئات الأمتار على الصخور والأشواك، ولا أعرف فيما بعد كيف وصلت أحد مستشفيات الناصرة، ووصل الخبر إلى القرية بأنني قضيتُ نحبي، وفتحوا بيت عزاء لمدة يومين، فقد كانت حالتي ميؤوساً منها، ولكن يشاء الله أن أتعافى وتلتئم جروحي، التي ما زالت واضحة على جسدي.
عن علاقته بكتابة قصص الأطفال قال: بعد تجربة علمية وعملية طويلة، خصوصاً بعدما أهداني الله أربعة أطفال، شعرت بحاجة إلى الكتابة، فقرأت الكثير من القصص والدراسات حول أدب الطفل، ثم بدأت بكتابة القصص، من عالمي الذي درسته.
– كتب حجيرات حتى الآن حوالي عشرين قصة علمية، يجد الطفل فيها حقائق علمية، خصوصاً في موضوع الكيمياء الفيزيائية، وذلك بشكل قصصي ممتع.
قصتي الأولى للأطفال كان اسمها السائل العجيب، تتحدث عن سوائل شفافة مثل الماء، ولكن لكلٍ منها صفاته وتأثيره المختلف، وكذلك كتبت بنفس المعنى قصة «حنان والتوائم الثلاثة»، عن المساحيق ذات اللون الأبيض الواحد، والخصائص المختلفة، هكذا نحن البشر نتشابه، ولكن في داخل كل واحد منا صفات مختلفة عن الآخر، يجب أن نحترمها، وأن نتعايش مع بعضنا بعضاً، كذلك ألّفت كتباً في الفعاليات العلمية للأطفال، بهدف تشجيع الطفل على البحث من أجل المعرفة، وتطوير تفكيره وتشجيع روح المبادرة لديه وغيرها.
إضافة إلى قصص الأطفال، شعرت بحاجة إلى كتابة القصص القصيرة للكبار، فهناك الكثير مما أردت قوله، وقد صدر لي أربع مجموعات حتى الآن، واحدة منها كتبتها في أمريكا، وبعض قصصي من المكسيك.
يرفض حجيرات تقسيم العرب بين بدو وحضَر، ويقول، للأسف، كلنا ما زلنا قبائل، فما إن تأتي الانتخابات البلدية حتى تلحق كل «عنزة بقطيعها»، وبهذا كلنا سواء، ابن المدينة والقرية والبادية، أنا بدوي أعتز بأصلي ولكنني مواطن في هذا العالم، وكلنا على هذه الأرض ضيوف، وقصصنا وقضايانا متشابهة.
وعن تشابهنا قال: نزلت مرة ضيفاً في المكسيك على عالم شهير في موضوع الفيزياء الكيماوية، وهو من أصل أوروبي- مكسيكي، وله أبحاث كثيرة، طوّر تجارب في موضوع يطلقون عليه تسمية «تصغير المختبرات»، في إحدى السهرات دار نقاش حاد باللغة الإسبانية بين المضيف وزوجته ذات الأصول الإسبانية على مسمعي ولم أفهم شيئاً، وقد استغربت ذلك، لأنهما عادة ما يتحدثان أمامي بالإنكليزية كي أفهم، حينئذ سألت مضيفي، ما الخَطْبُ؟ وعلام هذا الصراخ؟؟
فأخبرني أن ابنته تقيـــم علاقـــــة مع شاب من إحدى القبائل من المكسيكيين الأصليين، ويريد الشاب أن يتقدم لخطبتها، ونحن مختلفان، هل نوافق على العريس أم لا! فضحكت، وقلت: أنا ابتعدت عن عرب الحجيرات والقبيلة ومشاكلها، وها أنا أجدها أمامي وفي بيت عالم شهير في الكيمياء الفيزيائية.

الاسم :
البلد :
التعليق :