الإبداع الثقافي هو التعبير عن الوعي الاجتماعي والوطني

الإبداع الثقافي هو التعبير عن الوعي الاجتماعي والوطني

بقلم: د. اديب المقدسي

 

حين يكتب الاديب المبدع نصا ادبيا، لابد ان نجد فيه صور المجتمع والثقافة والتاريخ والانتماء، بعيدا عن ذاتية المبدع بمفهومها العتيق، كحلقة مغلقة لا ينجح النص في تجاوزها.

الابداع الادبي الحقيقي لابد ان يضع الانسان (القارئ)في قمة اهتمامه، فهو اولا واخيرا لا يكتب الى مجهول، ولا يخاطب ذاته النرجسية، وبالتالي يعطي القارئ خلطا من الثرثرة فقط، لا تضيف للأدب شيئا، وتفتقد لأبسط الشروط الجمالية في النص .. تابعت الإنتاج الأدبي العربي في مناطق 48 منذ بداية سنوات الثمانين في القرن الماضي، قرأت درويش والقاسم وجبران وزياد واميل حبيبي وغيرهم، واطلعت على كتابات مختلفة عبر الانترنت اتذكر منهم في هذه العجالة فوزي عبدالله وجمال قعوار ونبيه القاسم وحبيب بولس وشوقي حبيب وطه محمد علي ومحمد على طه وعفيف سالم وحنا ابراهيم ونبيل عودة ومحمد نفاع وسميح صباغ وعيسى لوباني وحسين مهنا وسلمان ناطور وحنا أبو حنا وغيرهم من الجيل الذي لم اطلع على اعمالهم، وبدون تردد أقول ان الأدب العربي في إسرائيل وصل الى مصاف أرقي الآداب العربية، ليس فقط بارتباطه بقضايا شعبه، انما، وهذا اساسي جدا، بجماليته ايضا وبقدراته التعبيرية الفنية والوطنية... وساهم في رفع شأن الثقافة العربية، وليس بالصدفة ان يتحول سفراء هذه الثقافة (محمود درويش وزملائه) الى الاسماء البارزة على الخارطة الثقافية العربية والدولية.

لذا كان تطور الادب في حياة الشعوب، كشكل من اشكال الوعي الاجتماعي والوطني وكأداة تعبير عن مكونات الانسان واحلامه. ونرى ان الادب ومشتقاته لعب دورا مركزيا في تاريخ المجتمعات البشرية وفي احداث الانعطافات الحاسمة في صيرورتها.

الواقع الثقافي اليوم

اقول بوضوح، بالاستناد على ما اقرأه بمواقع الانترنت، ان الأدب العربي الفلسطيني اليوم، خاصة في مناطق 48 هو في مرحلة "فوضى ثقافية" تتميز بفقدان منطلقات اساسية للإبداع الأدبي الجيد وغياب الحلم الانساني الاجتماعي وراء النص .. وآمل انها حالة عابرة. ما يقلقني أكثر غياب المجلات الثقافية وخاصة مجلة "الجديد" التي كانت تصلني كل اعدادها من قريب لي يسكن في حيفا. واليوم أضحت متابعة الإنتاج الثقافي الفلسطيني في إسرائيل متيسرة أكثر بفضل الاعلام الديجيتالي.. لكني قلق لأني لا أرى استمرارا للمرحلة التي سحرتنا بعمالقتها.

كنت قد لاحظت من قراءاتي المختلفة عن المسألة الثقافية، وجود ظواهر سلبية متعددة تساهم في تكريس الفوضى الثقافية ومسخ الابداع الادبي، وابعاده عن ارتباطه بمجتمعه وانسانه وتاريخه وثقافته ايضا. يبدو ان الانبهار بهذا الأدب الذي فاجأ العالم العربي بجماليته وكونه سلاحا نضاليا أيضا، وواجه تحديات التجهيل الثقافي، ووقف في طليعة النضال السياسي بكل امتداده بمواجهة السلطة العنصرية، تجاوز عربيا حدود المنطق الأدبي البسيط ..

لا بد للأدب حتى يصبح مشروعا ثقافيا مؤثرا ان يكون انعكاسا فنيا للوعي والممارسة، وليس مجرد " تنسيق" كلمات وافكار عقيمة، انما القدرة على خلق اتجاهات وترك ترسبات. وبصدق وصف "غرامشي" الأدب بأنه: " الأرض التي يتحرك عليها الانسان، يكتسب وعيه، ويحدد موقعه ويمارس نضاله". وفي حالتنا اضيف ان الأدب لا بد من ان يكون ايضا الأداة التي نمارس عبرها، كأقلية قومية فلسطينية في مناطق 48 او المناطق المحتلة والمجزأة بين السلطة الفلسطينية وحماس، تعميق ترابطنا الاجتماعي ومواجهة الاضطهاد القومي والتمييز والاحتلال، ومواجهة هيمنة الخطاب العنصري وأدواته اللاثقافية،  خاصة قانون القومية الفاشي، الذي يخرج المواطنين العرب من مكانتهم كمواطنين متساوي الحقوق الى مجرد مقيمين لا حقوق لهم الا بقدر خضوعهم للدولة القومية اليهودية، ولا اعرف ما الفرق بين الفكر القومي الذي روجت له الفاشية والنازية والعسكرية اليابانية وبين القانون القومي الذي اقرته كنيست إسرائيل ، والذي يتناقض حتى مع وثيقة استقلال إسرائيل.. كما يقول اليهود انفسهم.  

من مشاكل واقعنا أيضا ضرورة مواجهة الخطاب الطائفي الغيبي الذي بدأ يرفع رأسه بحرية دون ان يتصدى له أحد مما يفرض ويسرع تعميق تفككنا الثقافي والاجتماعي، والى المزيد من "ثقافة اللاجدوى" والتخبط الغيبي وغياب الفكر القادر على التصدي لما يواجهه شعبنا من السياسات والقوانين العنصرية داخل مناطق 48 والاحتلال والحصار بما يتعلق بمناطق السلطة الفلسطينية وغزة المحاصرة ..

للأسف النقد الادبي، أو النقد بمفهومه الشامل كظاهرة ادبية فكرية، اجتماعية وسياسية، لا يقوم بدوره الا بشكل جزئي. في أحسن الأحوال يتعامل مع النصوص بشكل انعزالي، بمفهوم عزلها عن مجتمعها وقارئها... وعلى الأغلب، هي كتابة الكثير منها لا تحمل من فكر النقد الا اسمه، وتحول الكثير من النقد في ادبنا الى ممارسة شكل من اشكال العلاقات الاجتماعية او الشخصية. واعذروني لا اريد الخوض المباشر لأني غير مطلع الا على ما اقرأه في الانترنت.

تحدث المفكر المصري سلامة موسى في وقته عن البعد الاجتماعي للأدب، مطالبا الأديب (المبدع والناقد في حالتنا) بوعي اجتماعي خاص بظروف مجتمعه وبمتغيرات هذا المجتمع، ورأى علاقة وثيقة بين الظروف الاجتماعية التي يصدر عنها الأديب ويتوجه اليها بأدبه، وبين طبيعة هذا الأدب ونوعيته، وأكد على تاريخية الأدب، بمفهوم العلاقة مع الظروف التاريخية التي ينشأ فيها وبالمرحلة الزمنية التي يعبر عنها، وهو ما يلقي على الأديب مسؤولية التعبير عن الجماهير الصامتة. فهل من شيء مشترك بين أدبنا ونقدنا (العربي عامة والعربي في فلسطين 48 خاصة) في مرحلته الراهنة، وبين رؤية سلامة موسى العقلانية والصادقة لنشوء حركة ادبية حقيقية ؟! .. أو مع رؤية غرامشي الجوهرية ؟!

الظاهرة البارزة اليوم في ادبنا، واستعمل تعبير "ادبنا" بمفهومه المجازي، لأني لا أرى الا القليل من النصوص الجديدة التي تستحق ان نسميها ب "الأدب".  

قد يكون هذا الواقع الثقافي عاملا في ابتعاد القراء عن الثقافة وتعميق القطيعة بين الثقافة والناس الذين يفترض اننا نعبر عن واقعهم وتطلعاتهم. كانت رؤية المثقفين-المناضلين الفلسطينيين ان تطوير الثقافة العربية داخل الحصار الاسرائيلي هو أحد أهم اسلحة النضال للحفاظ على الشخصية الوطنية والاعتزاز بهذا الانتماء، وهو عامل ساعد في مواجهة سياسة التجهيل والعدمية القومية، وشكل عنصرا اساسيا في التكامل الاجتماعي لبقايا شعب مقطع الاوصال، فجاءت مجلة "الجديد" التي لعبت، دورا رائدا في صياغة ثقافتنا وشخصيتنا الوطنية والثقافية، للأسف لا اطلاع لي على ما كان ينشر في الصحافة المختلفة.  وربما اندثار مجلة الجديد الرائدة هو الاشارة لتغير النهج و"التعب" من النضال الفكري والثقافي والسياسي، وهو ما يقلقني اليوم  من الظواهر السلبية التي تزداد، غير أنى ارى ان اسقاطاتها السلبية ستكون عائقا وذات إثر رجعي عميق على تطور الثقافة في هذه المرحلة التي تفتقد للمقومات الضرورية لإبداع ثقافي يستحق هذه التسمية.

adibmaqdisi@gmail.com‏

 

الاسم :
البلد :
التعليق :