2020-08-31 13:30:36

ليلة في العراء قصة: ناجي ظاهر الوقت مساء. الجو بارد. السماء متلبدة بالغيوم. وهما.. الاثنان، يقفان واحدًا قُبالة الآخر.

ليلة في العراء

قصة: ناجي ظاهر

الوقت مساء. الجو بارد. السماء متلبدة بالغيوم. وهما.. الاثنان، يقفان واحدًا قُبالة الآخر. انتهى عمل اليوم الاول لهما في الجريدة قبل قليل، وها هما يتأهبان للمغادرة. هو سيغادر مستقلا باصه القديم الجديد بالنسبة اليه، الى بيته في اعلى المدينة. وزميله القديم الجديد ايضا، سيغادر برفقة ابن اخته، الى بلدته المجاورة. يرسل زميله نظرة غامضة الى باصه، هو، يقرأ فيها ما لا يمكنه قراءته. انه يعرفه، يحس به، الا انه عاجز عن قراءته.

يقترب منه اكثر.. يقول له:

-في السماء امطار غزيرة.

يرسل زميله نظرة اخرى الى باصه:

- ستكون العودة الى بلدتنا صعبة جدا. ابن اختي احب ان يرى المدينة. عودتنا ستكون صعبة. لا باصات الى هناك الان.

يشعر بضيق يشتد رويدا رويدا يجتاح اطرافه. هو لن يترك زميله، ينام مع ابن اخته الفتى اليافع  في الشارع. ولا يمكنه اصطحابه الى بيته في اعلى المدينة ليباتوا جميعهم هناك. بقيت امكانية واحدة. ان يعيره باصه الى الغد. على ان يعود به في الغد. فكرة جيدة اليس كذلك؟ سأل نفسه ناسيا اياها. بإمكان زميله ان يوصله الى بيته وان يتابع طريقه باتجاه قريته القريبة.. البعيدة في الآن. يتهلل وجهه للفكرة. بعدها يتهلل وجه زميله. ابن اخته ايضا، يبتسم فرحا وتضامنا. الحل ابتدأ يقترب. لقد قرر اعارته الباص. يشير اليه:

-سأعيرك اياه.

تسري نسمة دفى في الاجواء الباردة. تتهلل الوجوه. كما لم تتهلّل خلال فترة طويلة ماضية. حتى يوم التقى الاثنان قبل سنوات، في مكاتب عملهما المشترك السابق. لم ينتشر مثل هذا الدفى. صحيح ان المكاتب كانت على قد الحال. الا ان الصحيفة السياسية جمعت بينهما على حلم زاهر. هو شعر ان زميله سيساعده في العودة الى قريته المدمرة. وزميله تأكد انه وجد الانسان الذي يعتمد عليه في اخراجه من كسله المزمن. زميله قضى سنته الدراسية الاولى.. سنوات متتابعة في الجامعة. لم يكن يدرس. بعد سنة بعدها دراسية واحدة عن دراسته ليحترف السياسة. وليشعلها نارًا لا يخبو لها اوار بين اوساط الطلاب. تدافع هذه المعلومات الى ذهنه. يوقظ فيه قلقا خفيا. الا انه يتجاهله. هو الان يجب ان يكون رجلا طائيا  في موقف يتطلب منه الشجاعة.

يعتلي باصه. يأخذ في تجميع مستندات الترخيص والتامين وما اليها. يحتضنها بيديه المستريبتين. يترجل من الباص. نازلا درجة اثر الاخرى. ثلاث درجات تبدو كأنما هي اعتلاء جبل شاهق. يتوقف اخيرا قبالة زميله. يقدم اليه المستندات المطلوبة. يتناول زميله ما قدمه اليه برفق. يهجم على الباص. وهو يرسل نظرة اشد غموضا من سابقتها الى ابن اخته. غموض الابتسامة. يلفته الى امر لم يفكر به سابقا. فمن يضمن له ان يعود زميله في الباص صبيحة الغد؟ يكبر الشك في عينيه. زميله يقرأ خريطة الشك في عينيه. "لا تخف" يقول ويتابع: "قد نتأخر قليلا. الأمطار قد تؤخرنا قليلا. لا تقلق. اطمئن". صمت يخيم على المكان. صور متلاحقة تترى متلاحقة على مخيلته. يتصور المحترف السياسي السابق. يعتلي الباص مصطحبا. ابن اخته. الباص ينطلق جائبا ربوع تلك القرية البعيدة.. البعيدة الآن. ويمضي الغد وبعد غد اخر. وهو ينتظر.

ما يتخيله يدب الرعب في قلبه.. الرعب ما يلبث ان يتحول الى فزع. هو يجب ان يجد مخرجا لمأزق خلقه بيديه. مأزق دفعته اليه اوهامه بالعودة الى قريته. لا هو لن يُنفذّ وعده. لكن ماذا عليه للمحافظة على ما تبقى لديه من حلم؟ ليقد هو الباص. ليقده هو.. وليقلّ زميله وابن اخته الى بلدتهما. ما يبادر اليه لا يعجب زميله. الا انه ينصاع اليه. يعتلي الجميع الباص. فيما يتخذ هو مجلسه على مقعد القيادة. يدير المحرك ويبدأ الرحلة.

ينطلق في الشارع الرئيسي. بعد انطلاقه بقليل. يستوقفه شخص غريب. يشير اليه ان الطريق مغلق. بسبب اعمال ترميم. يستدير بالباص بصعوبة. وينطلق في طريق بديل. قبل ان يسري نوع من الارتياح. في اجواء الباص. يستوقفه شخص اخر. الطريق مغلق. حادث طرق وقع قبل قليل. وقع فيه ثلاثة قتلى.

يلوي مقود الباص الى طريق آخر. ينطلق فيه. هو يعرف هذه المدينة حجرًا حجرًا وذرة تراب اثر اختها. بإمكانه ان يجد دائما الطريق البديل. وها هو يجدها. لكن هل وجدها؟ ولم لا؟ ها هو ينطلق في الطريق الصحيح. بعد قليل سيبلغ هدفه ومبتغاه. وسوف يعود غانما سالما الى بيته وزوجته في اعلى المدينة.

ويمضي الباص نحو غايته. قاطعا المسافات القصيرة الطويلة، متجاوزا الشجرة تلو الشجرة والعتمة تلو العتمة. الظلام يخيم رويدا رويدا على الاجواء في الخارج. تزداد السماء تلبدًا بالغيوم الماطرة. يرسل نظره الى الخارج.. الى الظلام الممتد. لقد هدا كل شيء. يرسل نظرة الى الراكبين الى جانبه في الباص. انهما نائمان. لقد اطمأنا انها سيصلان الى قريتيهما. فناما. لو انه لم يقترح ذلك الاقتراح اللئيم. لو انه كف عن الرغبة في ان يكون حاتم الطائي الفلسطيني. لكان الآن نائما في بيته المرتفع هناك في الأعالي المسترخية في مخيّلته.

"كن رجلًا"، يهتف لنفسه. ويتبعها بهتفة اخرى مماثلة. "ك..ن  رج..لا..". شعور بالتراخي يبدأ بالانتشار. الباص يبدأ بالتوقف رويدا رويدا. انه يبدو كمن يلفظ انفاسه الاخيرة. واخيرا يتوقف.

تدب حركة قلقة في الباص. ينزل كل منهم.. هم الثلاثة. واحدا وراء الآخر. يتفحصون المنطقة.

يهتف الصغير:

- اين نحن الان.

يقول خاله:

- اننا في منتصف الطريق. ماذا بإمكاننا ان نفعل.

اما هو فانه يستلقي على العشب الاخضر المبلّل بالمياه. فيما يتبعه مرافقاه..

ويهمي المطر.. بغزارة.

الاسم :
البلد :
التعليق :