محاسبة النفس. بقلم: سامي منصور - بسم الله الرحمن الرحيم, "ونفسٍ وما سوّاها فألهَمها فُخورَها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها"

محاسبة النفس            

سامي منصور

بسم الله الرحمن الرحيم, "ونفسٍ وما سوّاها فألهَمها فُخورَها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها" (الشمس 10-7 ).

هذه الآية الكريمة تعطينا فكرةً عامة عن النفس ومحاسبتها, فمَن ينظر اليوم إلى أحوال الناس يرَ رخص النفوس عند بعضها, ويرى الخسارةَ في الحياة لعدم محاسبتها, وستكون الخسارة أفدح في وقت لا تنفع فيه الحسرة, فإن من يترك محاسبة النفس, يدعو إليها الشيطان ليوسوس له ويبعثه إلى طريق المعاصي ويحذّره من الطاعة, ويزيّن له الباطل ويصدّه عن العمل الصالح, فتتمكن الغفلة من الإنسان ليصبح بدون قلب ولا عينين ولا أذنين. ومحاسبة النفس تتم عند أصحاب القلوب الصافية والعقول الواعية, الذين عرفوا أن الله بالمرصاد وأن الساعة آتية لا ريب فيها, فعملوا على تزكية النفوس خشية غضب المولى, وفي ذلك قال جلّت قدرته: "يا أيها الذين امنوا اتقوا الله ولتنظر نفسٌ ما قدّمَت لغدٍ إن الله خبير بما تعملون, ولا تكونوا كالذين نسوا اللهَ فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون" (الحشر 18 , 19).

وقد دعَت إلى محاسبة النفس جميعُ الأديان السماوية, لفحصها وتفتيش دواخلها ومراقبة تصرفاتها لكي يكون المرء في يقظة تامة, منتبها إلى عظمة الخالق سبحانه وهو الواحد الأحد الذي يعرف خفايا النفوس وخبايا القلوب. وقد قال القديس مقاريوس: "احكم يا أخي على نفسك قبل أن يحكموا عليك".

وبما أن النفسَ أمّارة بالسوء وجب على الإنسان العاقل محاسبتها لإيقافها عند حدها ومنعها عن زيغها نحو الباطل والكسل والحرام, وتقول العلماء إن محاسبة النفس تأتي قبل التوبة لتحمل على التوبة, وتأتي بعد التوبة لتحافظ على التوبة. وما أجمل قول الشاعر:

  إنا لنفرح بالأيام نقطعها       وكل يوم يُدني من الأجلِ

  فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا   فإنما الربح والخسران في العملِ

ويشبّه البعض حالَ النفس كحال تاجر مع شريكه, فإن حاسب التاجران احدهما الآخر على الوارد والصادر وما إلى ذلك ازداد ربحهما, وإن تهاون احدهما في الحسابات وأهملا مراقبة تجارتهما أفلسا وخسِرا. وكان الرسول ( ص ) يستعيذ بالله من شر النفس فيقول : " ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا". إن محاسبة النفس دليل على صلاح الإنسان وخوفه من الله وطريقه إلى النور واستقامة القلب وتزكية النفس, وهي نوعان : الأول قبل العمل فهو أن يقف المرء عند أول إرادته, وأن لا يبادر بالعمل حتى يبحث في نتائجه, والثاني محاسبة النفس بعد العمل, أي بعد تقصير في واجبات الطاعة, أو عمل كان ترْكُه خيرا مِن فِعله, أو التمييز بين نيّة العمل وهل أراد به وجهَ الله فيكون رابحا, أمْ أراد به الدنيا وعاجلها فيكون خاسرا. أما ما يمنع محاسبة النفس فهو الاستمرار في المعاصي صغيرِها أو كبيرها, والتوسّع في المباحات التي تُرَغّب في الدنيا وتُبعِد عن الآخرة, وعدم الشعور بعظمة الخالق وما يجب فيها من العبودية والخضوع, وحُسن الظنّ بالنفس الذي يمنع من التوبة وتؤدي إلى الكِبر. وهكذا فإن عدم محاسبة النفس يسهل الوقوع في المعاصي والتمادي فيها, بعد أن يغفل المرء عن الطاعة لأن الطاعة تحتاج إلى الجهد والعزيمة, وقد قال الشاعر :  

اقبل على النفس واستكمل فضائلَها    فأنتَ بالنفس لا بالجسم إنسانُ

من هنا علينا جميعا أن نعود إلى نفوسنا لنقوّمها والى ضمائرنا لنوقظها, فبغير ذلك سيظل الشيطان متغلبا علينا. وأخيرا لنقرأ كلمة المعلم كمال جنبلاط رحمه الله : " لو تمكّن البشر من إصلاح نفوسهم, ومِن إزالة أنانيتهم الفردية ومِن تمكين الحقيقة من أن تتجلى على تمامها, ما كانوا بحاجة إلى تعديل أنظمة ولا لاشتراع قوانين " . نسال الله الرحمة والعفو والهدايةة الرشد.

مصادر : كتاب " محاسبة النفس " د. عبد الرحمن بن عايد

         كيف تحاسب نفسك للشيخ سعد بن سعيد الحجري

      موسوعة النابلسي للأخلاق الحميدة

     الكتاب المقدس.

 

الاسم :
البلد :
التعليق :