2020-04-17 19:29:21

(شلال شوق لشاعر الكرمل فهيم أبو ركن بقلم: د. بطرس دلة شلال الشوق هذا المتدفق من ضمير صديقنا الشاعر فهيم أبو ركن

فوائد الكورونا و "شلال شوق"

 

خلال الترتيبات التي أجبرتنا عليها الكورونا نجد مواد مختلفة، نشرنا في العدد السابق عن مهرجان الشعر الفلسطيني واليوم ننشر المقال النقدي الذي قدمه الدكتور بطرس دلة مشكورا في حديثه عن ديوان "شلال شوق" في الندوة التي أقيمت في جمعية البادية.

ديوان "شلال شوق" صدر بالتعاون بين دار الحديث ودار الكلمة للصديق الشاعر الفيلسوف المرحوم معين حاطوم.

إليكم المقال:

(شلال شوق لشاعر الكرمل فهيم أبو ركن

بقلم: د. بطرس دلة



شلال الشوق هذا المتدفق من ضمير صديقنا الشاعر فهيم أبو ركن ينبع من ضميره ومن وجدانه ولذلك فهو يهدي ديوانه هذا إلى كل من يجري في ضميره شلال شوق إلى العدالة أولا وإلى كل من يتدفق من قلبه شلال شوق للمحبة.

الشاعر فهيم أبو ركن إنسان مرهف الحس، لع نظرة خاصة إلى الأمور، وخاصة الأمور التي يراها في غدواته وروحاته على سفوح الكرمل الحبيب، فهو شاعر الكرمل وابن الكرمل ولد في قرية عسفيا الشامخة على قمة الكرمل فيها ترعرع وعلى محبتها ومحبة الكرمل درج في مدارج الصبا، إنه عاشق كل العشق لهذا الجبل، يردد اسمه في معظم قصائد هذا الديوان معتزا بهذا الجبل الذي يمثل عروبة فلسطين لديه، فلا تفوته لمحة جمال في أي بقعة من بقاعه، يتغزل فيها ولا يرتوي غزلا وشوقا وحنينا بحيث يبدو الكرمل هاجسا دائما لديه لا يفارقه لا في الليل ولا في النهار، لذلك فإن عشقه دائم الخضرة كما الشجيرات المختلفة التي تلون قمم الكرمل وسفوحه، ولا غرابة في ذلك لأن الإنسان العربي والفلاح والعامل، الصانع والمفكر، المعلم والموظف يعشق كل منهم الأرض، أرض فلسطين فيتغزل فيها من باب الوطنية الحقة والوطنية الحقة لا تكون إلا بمحبة أرض الوطن العزيز على قلوبنا جميعا.

جمع الشاعر في هذا الديوان خمس عشرة قصيدة، راوحت بين الشعر المنثور والشعر الموزون المقفى على طريقة الخليل بن أحمد.

الرمزية الشفافة:

يحاول شاعرنا في القصائد الأولى من هذا الديوان اللجوء إلى الترميز في تعبيره عن محبته لأرض الوطن ولجبل الكرمل كما ذكرنا، فتبدو هذه الرمزية شفافة إلى حد ما، لأنه يرى أن الكرمل المحبوب يستريح في عيني محبوبته كما لو كانت خارطة فلسطين ممدودة أمام عينيه يرى فيها فلسطين مؤنسنة (أي كجسم إنسان)، فيكون الكرمل عيني هذا الإنسان، لذلك فإن قصائده هذه كما عبر عنها شدو يرسله هودجا ويزرعه شلال شوق في ظل الأفق النازف، حيث سينصب خيمة الانتظار إلى أن تأتي- والكناية هنا ترمز إلى محبوبة الشاعر، دولة فلسطين العتيدة.

ولو تأملنا مقولته "شلال شوق" لوجدنا أنه يكني بها عن شدة شوق الشلال المتدفق الذي لا يستطيع أي شيء أن يمنع تدفقه، وفي هذه الكناية الكثير من الجمال خاصة لأنه إذا ما بالغ في وصف هذا الشوق إنما لكي يرضي هاجسه في محبة الوطن، لذلك فإن هذه المبالغة مقبولة وفيها الكثير من الجمال.

يقول الشاعر في ذلك (ص-20) ما يلي:

"ألملم ذاتي عن مساماتك

يرسلني الشوق هودجا

وحادي العيس في واحتك

يزرعني .. شلال شوق

في ظل الأفق النازف

أنصب خيمة انتظار!".

يكرر الشاعر استعمال مصطلح " الأفق النازف" في هذه القصيدة وفي القصيدة التالية (ص-22) والنزف كما يعرف الجميع هو وصف للدم، فلماذا استعاره الشاعر للأفق؟! إنه يرى بعين خياله شلالات أشعة الشمس وهي تغرب خلف البحر، يراها من قمة الكرمل فيسحره ذلك المنظر الخلاب فلا يغيب عن ذاكرته، لذلك يلتصق به ويكرره، كما أنه يلجأ إلى الكنايات في تهشم عبير العاطفة وانزواء استغاثات الخيال وتعانق انفجارات الوجد وبكاء القدس لحظة الفراق وابتهاله لمسافات الارتحال كي يعبر الأفق النازف!

هذا هو خيال الشاعر الجامح الذي لا يترك له هدأة بال حيث يدفعه وبقوة إلى الكنايات والاستعارات فتُجمِّل الكلمات وتُزخرف السطور بهذا النوع من البديع.

الشاعر الحزين:

يعلن شاعرنا عن حزنه العميق حتى عندما يَنزل الشجر من عيون الله ويغسل نخيل العريش وصنوبر الكرمل وصلاة السنديان الذي يعشق الله، لأن الله جل جلاله وهب الزرع على تلال الريح إلى رسوخ جبل حطين وشواطئ غزة المهجورة كشواطئ قلبه!

إن قصيدة "ملاك يغسل وجهه" من صفحة -23 وما بعدها، هي صرخة الحزن والألم ودعوة لأنهار الجليل المصبوغة بالدم كشرايين، إنه يناجيها - أي الأنهار – أن تلثم ثغر سيناء لأنه يريد أسباب الحياة في حياة هذه الأنهار، كي يروي بها ظمأ صحراء سيناء العطشى منتظرا ولادة السيد المسيح! فمدينة القدس نامت على قمم المجد لذلك الشاعر يدعو حائط المبكى إلى أن يبكي مجدها الغابر – أي مجد القدس _ لأنه بانتظار حمامة السلام! فهل تأتي هذه الحمامة من المِذْوَدِ الذي ولد فيه السيد المسيح عليه السلام في بيت لحم، فالمسيح هو سيد السلام وهو ابن هذه الأرض التي تتوق كثيرا إلى مجيءِ فارس الأحلام/ مسيحنا!

ينتقل الشاعر في نفس القصيدة إلى مدينة الناصرة، وهنا أيضا يعبر عن حزنه العميق لأن مدينة الناصرة مصلوبة كنائسها، ورنين أجراس هذه الكنائس هو نبض قلب شاعرنا الذي يعذبه رجع صداها حيث يتقوقع النهار على جراحه، وحيث يعوي الذئب في أزقة القدس الخرساء، القدس العذراء الحالمة التي تنتظر فارس أحلامها كي يزرع وردة على خديها كما في ص (29-31) حيث يقول:

"يا كنائس الناصرة

المصلوبة على عنقي!

دقات أجراسك في نبض قلبي

عسل من زهور الآلام

                      مجني!!

ترجيع صداها يعذبني

يجعل النهار على جراحه

في عيني يتقوقع!".

وماذا عن مشاعر شاعرنا؟

يقول في (ص – 33) إن مشاعره قد بيعت بقروش بيضاء ويوم أسود، لأنه يؤمن أن كل الديانات مقبولة عليه ولا فرق بين إنسان وإنسان إلا بالتقوى، فللجميع ولادة واحدة وموت واحد والجرح واحد عند اليهودي والعربي، عند المسيحي والمسلم، عند الدرزي والوثني، الجرح ينزف نفس الدم الأحمر القاني من كل جسد! وطالما هذه هي طبيعة الإنسان، إذن:- لماذا نفرق بين هذا وذاك؟

يقول في (ص 35):

"يا أحبائي..

يا أحبائي اظروا عجبا؟؟!

جراح القلوب المفتوحة تبسم لي...

جرح مسلم أحمر...

جرح يهودي أحمر

عجبا...!

لا فرق .. عجبا!".

هذه المشاعر الأممية والعجب ممن يفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان بسبب تباين الديانات أو اختلاف القوميات هو أمر يثير مشاعر الأستاذ فهيم كما يثير عجبه لأنه لا يفهم مثل هذه المواقف، أو قل: إنه لا يقبل مثل هذه المواقف. فالإنسان عنده أخ للإنسان الآخر بغض النظر عن الفوارق العرقية أو الطائفية أو غيرها.

يتماهى الشاعر مع جمال الطبيعة ويثور في نفس الوقت ضد المرائين والمخادعين ويعد أن يقتلع الاشواك المقيتة التي تنمو برية في أرض هذا الوطن لأنها قد تخز قلبه وقلب كل إنسان، إنسان مثله فتميته! ويقول إن صوت الحق عال فوق صروح الشهداء، الشهداء الذين روَوْا تراب هذا الوطن بدمائهم البريئة، فعلى مذبح التضحية والفداء يقدم الشهداء أرواحهم من أجل أن يعيش الإنسان حرا كريما ولا يكون ذلك إلا إذا زرعنا السماء ينابيع حب!

فهل بعد هذه المشاعر الجياشة المتدفقة حبا مشاعر أروع منها؟!

وعودة إلى الكرمل

في ص  يعود شاعرنا في قصيدة خص بها جبل الكرمل، عنوانها "كرملي":

ولما كان الشاعر عاشقا لهذا الكرمل فهو يرى بعين خياله انهمار الفراشات ألوانا عندما يذكر اسم الكرمل! وتغرد أحلامه مع كل ذكر له. وتصبغ جدران الحلم بأرجوحة القمر على صوت تراتيل الكنار، وتتحول مياه البحر نبيذا معتقا بصهيل الراية خماسية الألوان، خاصة عندما يمتطي رسول السلام جواده مبشرا بكلتا راحتيه بالسلام لأرض السلام.

وإذا ما مرت أسراب العصافير فوق الكرمل تخضر الحروف والكلمات، ولكن إذا ما عاد زمن الغزاة سيظل شاعرنا فارسا يحرس هذا الجبل، ويحضنه إذا ما ساد عصر الطغاة لأنه وطنه، وطنه الوحيد الذي ليس له سواه.

يقول في (ص – 51):

"فإن عاد

زمن الغزاة

نظل نحرسه،

وإن ساد

عصر الطغاة

نبقى نحضنه,,

وطن لنا وحيد

وطن لنا ... وحيد".

أخيرا كنت قد قرأت للأستاذ فهيم أبو ركن ديوانه السابق "إنسان حمامة" وكتبت له في حينه ما كتبت، أما هذا الديوان فقد حقق فيه قفزة نوعية خاصة. فأرجو له دوام العطاء.

لك الحياة أخي فهيم أبو ركن.

                               الدكتور بطرس دله

                                      كفر ياسيف

 

 

صورة لبعض المشاركين في  الندوة  من اليمين جالسين: فضيلة القاضي إحسان حلبي، الكاتب المرحوم سلمان ناطور، فضيلة الإمام سامي أبو ركن، الشيخ حسين أبو ركن، الدكتور بطرس دله، الشاعر الزجال نجيب سجيم، الشاعر فؤاد وهبه، الشاعر نجدي حاطوم، الشاعر وهيب وهبه، الدكتور الشاعر المرحوم سليم مخولي، الفنان عماد فرو، الشاعر مجيد حسيسي، الشاعر فهيم أبو ركن، الدكتور منير توما، الشاعر الباحث يوسف فخر الدين، الشاعر ناظم حسون، الشاعر زياد شاهين، الشاعر فرحات فرحات، الشاعر شفيق قبلان الشاعر رشدي الماضي، الدكتور فهد أبو خضرا، الشاعر جورج فرح والشاعر توفيق حلبي.

الاسم :
البلد :
التعليق :