2018-07-23 11:53:58

أدب بعد أن طيرت العشوش فراخها ( د. اديب مقدسي)

أدب بعد أن طيرت العشوش فراخها

د. اديب مقدسي

 



وصلني هذا المقال من الأستاذ أديب مقدسي الذي لم أعرف عنه الكثير، فأرسلت أستوضح بعض المعلومات عن الأستاذ أديب، فجاءني هذا الرد وقد عقبت عليه. وها أنا أنشرها كمقدمة للمقال الذي أرسله لي.

أخي العزيز الأديب فهيم ابو الركن

اسمي اديب مقدسي، ومقدسي ليس اسم عائلتي بل هو الاسم الذي اشتهرت به بين زملائي الطلاب، واشتهرت ب عائلتي المقدسية، وصار اسمي المعروف الذي افتخر به لأنه يربطني بجذوري الفلسطينية.

انا من مواليد القدس 1955، هاجر والدي للولايات المتحدة عام 1968، تخصصت في علم النفس الاجتماعي، ومقيم في مدينة ساركيوز. أتابع الابداع الثقافي الفلسطيني طبعا إلى جانب الواقع السياسي المؤلم لشعبنا في المناطق المختلفة، مناطق ما تسمى مناطق سلطة فلسطينية وما تسمى غزة المحاصرة وما تسمى اسرائيل او مناطق 48، قارئ مطلع على الثقافة الفلسطينية، كتبت مرات قليلة جدا حول مختلف المواضيع الفكرية والسياسية، لكن المجال الثقافي يستحوذ على اهتمامي من رؤيتي لأهمية الثقافة في بناء مجتمع متنور. زياراتي خاطفة للوطن وخاصة لمدينة طفولتي القدس. لست اديبا معروفا فانا مقل كما ذكرت، لكني في السنوات الأخيرة بدأت الاحظ حالات مقلقة، ووضع من التسيب الذي لا يعالج بما يستحقه من اهتمام. وما يؤلمني ان الحركة النقدية الفلسطينية لا تقوم بكامل دورها النقدي، بل هناك نوعا من التقييم الذي لا علاقة له بالثقافة. هذا المقال كتبته منذ سنوات ولم انشره مثل مقالات اخرى، وسيتبعه مقالات اخرى بعضها جاهز لكني أفضل التروي والمراجعة والدقة، حتى لا يفهم مني اني احمل السلم بالعرض، ليس هذا هدفي، بل اثارة الانتباه لأهمية العلاج الموضوعي للثقافة والابداع الثقافي.

تحياتي لك ولأبناء الطائفة المعروفية بإبداعاتهم ومبدعيهم وعلى رأسهم الشاعر الكبير المرحوم سميح القاسم ولكل المبدعين من أبناء الشعب الفلسطيني).

أخي الأستاذ أديب مقدسي المحترم

شكرا لك على الرد السريع والصريح، ويا حبذا لو تكرمت وأرسلت مقالاتك لننشرها تباعا في صحيفة الحديث، فنحن بحاجة إلى الكتابة الصريحة البناءة لتقويم بعض الاعوجاج في مساراتنا الثقافية، بما يشمل الأدب نثرا وشعرا ونقدا، والفن والرياضة والتعامل السلوكي بين أفراد شعبنا متنوع الطوائف والمشارب والاصقاع، إذ لا يخفى عليك وجود عدة طوائف مثل؛ المسلمون.. السنة والشيعة، البهائيون، الدروز، الشركس، المسيحيون، الأحمدية، الغجر. وشكرا على إطرائك لمبدعي أبناء الطائفة المعروفية مما يدل على انفتاحك الفكري وعدم التقوقع مع فتاوى اصدرها جاهلون بحقائق الأمور، (يتهمون الدروز بالزندقة والإباحية ونحن أكثر الشعوب حفاظا على العرض والأرض)، سلفيون متزمتون أصدروا الفتوى قبل مئات وآلاف السنين إثر إشاعات مغرضة وصلتهم فتبنوها بجهل دون فحص أو تمحيص، وللأسف ما زال البعض يحاول نشرها وتعميمها.

تحياتي الحارة مع تمنياتي لك بالصحة ودوام التوفيق والنجاح.

عزيزي فهيم

يكفيكم فخرا سلطان باشا الطرش.. وهو فخر لأبناء طائفته ولكل ابناء العروبة قاطبة. وحيت استعرض اليوم اسماء المبدعين أبناء العرب اجد للمعروفيين حصة كبيرة وهامة بدءا من سميح القاسم الذي يمكن ان نطلق عليه لقب شاعر العرب.. وصولا إلى ىسلمان ناطور والى الأحياء وهم كثيرون وأنت احدهم بلا شك، ويعجبني على الخصوص الشاعر حسين مهنا ... لكني مقل نوعا ما بما اكتب وانشر نتيجة التزاماتي المهنية والمعيشية بالطبع، في بلاد لا احد يمكن ان ينظر اليك اذا لم تكف نفسك بنفسك..

تحياتي

أديب مقدسي

مقال الكاتب أديب مقدسي:

(تنتشر في السنوات الاخير، في الثقافة العربية داخل اسرائيل، ظاهرة ادبية لا أظن ان لها رديف في آداب اخرى، لا أقصد ابداع نوع ادبي جديد، انما اقصد ادباء بدأوا يمارسون ما يقع مجازا تحت صيغة الادب، بعد تفرغهم وخروجهم للتقاعد، وبالأساس تقاعدهم من سلك التعليم.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا تلقائيا: هل يفعلون ذلك كنوع من التسلية؟ هل صمتهم كان خوفا من فقدان وظائفهم؟ او تقدمهم في مراتب الوظائف، فزجروا شيطان الأدب في نفوسهم وربما اقتلعوه؟ وهل ما يطرحوه اليوم من شعارات قومية فضفاضة يعبر حقا عن مشاعرهم، أم هي صحوة متأخرة بعد ان استقر امن معيشتهم؟

انا لا اقرر بالحق الانساني المشروع بان يساهم المرء بالأبداع الادبي، او المشاركة بالحياة السياسية والاجتماعية، بأي جيل كان ومتى رأى في نفسه القدرة على العطاء، الأدب والحياة الثقافية ليست احتكارا على أحد، والمساهمة بالحياة السياسية لا يتطلب اذنا من أحد، واختيار الموقف القومي والفكر القومي او اي فكر آخر يساري او ديني هو اختيار حر، والجيل ولحظة القرار في المساهمة الثقافية او السياسية هي مسألة ذاتية تفرضها ظروف الانسان ومستوى وعيه وقدراته على العطاء والبذل.

المشكلة التي تطرحها هذه الظاهرة، ليست في اكتشاف البعض لمواهبهم في هذا الجيل المتأخر، ولكن من متابعتي لما ينشرونه من كتابات مختلفة، وفي ظل واقع ادبي مأزوم لأسباب عدة، لست الآن في باب طرحها، لم أجد اية موهبة تذكر، انما اعمال فجة، وكتابات ركيكة المضمون ومهتزة الفكر، بلا رؤية ثقافية واضحة، وبلا مضمون اجتماعي بسيط، وغني عن القول انها تفتقد للعناصر الجمالية البديهية التي يفترض ان تشملها الكتابات الأدبية، وتفتقد حتى للإنشاء البسيط ، الخطاب الأدبي شبه غائب ومن الصعب الاشارة الى الخطاب التاريخي ، الا اذا اعتبرنا التلويح بالشعارات القومية الجوفاء والمفردات التراثية او السياسية ابداع بحد ذاته . الذي اعنيه بوضوح أكبر، نفتقد في اعمال اصحابنا المتقاعدين للعناصر الأساسية في الأدب، ثرثرتهم وشعاراتهم القومية التي يحشون فيها كتاباتهم، في التلخيص الأخير هي بلا اي مضمون انساني وجمالي بسيط، والتفسير الوحيد لها انهم يريدون التعويض لأنفسهم عن فترة " الخوف السياسي "، الآن تقاعدوا وتلقوا تعويضاتهم وأصبحوا "أحرارا" في التعبير عن خلجات نفوسهم التي زجروها أثناء عملهم وزجروا طلابهم من اي تعبير عن مشاعرهم أو القيام بنشاطات يشتم منها رائحة الانتماء الوطني او الثقافي، رغم ان مساحة الحرية التي تتمتع فيها مدارسنا اليوم ، ومنذ عقدين على الاقل تفتح ابوابا واسعة للنشاطات السياسية والثقافية الوطنية داخل المدارس ، للأسف بعض "قوميي" اليوم ظلوا على خوفهم ومنعهم لأي نشاط توعيي ثقافي واليوم جاؤوا يتاجرون ببضاعتهم التي فات موعد تسويقها ،

لا اعتقد بان ادبنا ستزداد مكانته بمثل اولئك " الأدباء"، كانوا وسيبقون هامشيين، حتى لو بلغ صراخهم القومي في كتاباتهم التافهة اعلى مراتب الزعيق والصراخ، ليس بهذا الشكل نفهم الانتماء للأرض والوطن، وليس بهذا الشكل يبدع الأدب ، حتى لو اصبحت الصفحات "الأدبية " في صحافتنا المحلية المحروسة وقفا على ثرثرتهم العبقرية ، للأسف الصحافة اليوم تلعب دورا سلبيا في الحياة الثقافية للعرب في اسرائيل بشكل عام، حتى الصحف التي كان لها دورها الكبير في اعلاء شأن الأدب الفلسطيني للعرب في اسرائيل تتخلى عن طليعيتها ويفقد الأدب مكانته كسلاح ثقافي ساهم في صيانة وتقوية هويتنا الوطنية والثقافية ولغتنا، وصيانة ترابطنا الاجتماعي والسياسي، وهو موضوع يستحق وقفة خاصة .

بالطبع اصحابنا لا يكتبون فقط شعارات قومية، انما شعارات عشق ووله، بعد ان لم يعد ينفعهم عشقهم في الممارسة، تماما كما في السياسة.

المميز في هذه الظاهرة (غير الأدبية) هو كونها اضافة مقلقة للرداءة الأدبية، وتحويل الأبداع الأدبي الى ممارسات تسلية، ربما يعتقدون انهم يلحقون أنفسهم ويصطفون الى جانب شعبهم، لذلك صارت الشعارات القومية، شعرا ونثرا مميزا للتفاهات التي تتراكم تحت صيغة الادب أو السياسة، كما قلت صحافتنا المسكينة ملومة وتتحمل مسؤولية هذا الاسفاف وهذه الرداءة، ولكن هل توجد لدينا صحافة مسؤولة اليوم؟ وهل من صحيفة تعطي للمواد الأدبية حقها؟ ما ألاحظه هو السباق على نشر نصوص ركيكة، حتى في الصحف التي سمت محررا ادبيا لها، ام لم تفعل ذلك، الأمر سيان، اكتبوا ما تشاؤون، واياكم ان يكون مفهوما حتى لكم، وأنا اضمن ان تنشر تفاهاتكم، وأن "تشتهروا " بسرعة البرق وقد جربت ذلك بأسماء مستعارة وفي عدة صحف.

أما "الأدباء" بعد أن طيرت العشوش فراخها، فأنصحهم بالراحة، التي قضوا زهرة عمرهم تحت خيمتها، خوفا وانكفاء، سيظلون مجرد تافهين فيما ينشرون، فلم يبق من العمر قدر ما مضى، فهل يطمعون بتجديد شبابهم بعد ان اكتشفوا " فجأة" انهم أدباء؟)<

adibmaqdisi@gmail.com

الاسم :
البلد :
التعليق :