قيس فرّو ليس...! رسالة مفتوحة إلى الكتّاب والأكاديميّين في الدالية وعسفيا، وعامّة. سعيد نفّاع 18 كانون الثاني 2020م أعزّائي!

قيس فرّو ليس...!

رسالة مفتوحة إلى الكتّاب والأكاديميّين في الدالية وعسفيا، وعامّة.

سعيد نفّاع

18 كانون الثاني 2020م

أعزّائي!

أذكر أن اليونسكو نشرت عام 1978م معطيات عن التعليم الجامعيّ في العالم، وكانت أفادت: أنّ أقل نسبة للطلّاب الجامعيّين في البرازيل؛ 10 طلّاب لكل 1000 نسمة. كنت حينها طالبًا جامعيّا في تل أبيب وكنّا نصدر، الطلّاب العرب، نشرة جامعيّة تحت اسم "الشيخ مونّس" القرية المُقامة على خرابها جامعة تل-أبيب، فكتبت فيها تقريرًا عن النسبة في القرى الدرزيّة والتي تراوحت بين 3-5 طلاب (حسب القرى) لكل 1000 نسمة وأخفضها في الكرمل، وكان طيّب الذكر قيس فرّو من القلّة أولئك.    

الكرمل اليوم يعجّ بالجامعيّين ومنهم كثرة من المبدعين في مجالات شتّى، ولا غرابة أن تُعقد الأماسي الثقافيّة الكثيرة، والأمسية التي عقدتها "دار جدل" قبل أيام في دالية الكرمل احتفاء بصدور كتاب بروفيسور قيس فرّو: "دروز في زمن الغفلة - من المحراث الفلسطيني إلى البندقيّة الإسرائيليّة"، كانت مميّزة جوهرًا وشكلًا، ولكنّ الأمر الطبيعي أن تثير هذه الأمسية بشكلها ومضمونها كمّا من أسئلة وتساؤلات بعضها موغلٌ وبعضها ارتباطًا بالأمسية.    

بدءًا، لا يختلف الكتاب موضوع الأمسيّة بالتوجّه لا بلّ وبجزئه كذلك في المضمون، عن كتب أخرى صدرت متناولة الأقليّات البشريّة "المشرقيّة"، وليس فقط الدرزيّة وإن كانت أبرزها، في ظلّ قيام دولة إسرائيل وما رافق ذلك من تداعيات، ولعلّ كتاب الصحافي سميح غنادرة: "المهد العربيّ – المسيحيّة المشرقيّة..."، وكتاب الدكتور نبيه القاسم: "الدروز في إسرائيل بطبعته الأصليّة عام 1976 والمزيدة عام 2019، وكتاب كاتب هذه الرسالة: "العرب الدروز والحركة الوطنيّة الفلسطينيّة حتّى ال-48" بطبعته الأولى دار الجليل-الأردن عام 2009 والدار التقدّمية لبنان 2010 والطبعات الثلاث الأخرى في البلاد آخرها العام 2018، ومؤخّرا كتاب: "العرب الدروز في إسرائيل" تحرير دكتور يسري خيزران، لعلّها عيّنة.

يختلف الكتاب عمّا قبله في المواضيع المُتقابلة بالكمّ الكبير من الوثائق وبعض الأطروحات وإضافات في سياقات مختلفة، ولكنّ الأمسية بالأمس بطرحها وشخوصها أثارت فيّ السؤال: ما الذي حدا ممّا بدا عند البعض (القضيّة ليست الاسم) والذين اعتبروا حينها مثل هذه الكتب محاولات تبريريّة؟!

تاليًا، وهذا سؤال (السؤال لا يعرف السائل الإجابة عليه وربّما يخمّن): قيس فرّو ليس "كرمليّا" أو "درزيّا" وفقط، فلماذا تقتصر المداخلات حول الكِتاب على كرمليّين ودروز؟!

وثالثّا، وهذا تساؤل (التساؤل وعلى الغالب يعرف المتسائل الإجابة عليه): قيس فرّو ليس فئويّا كي يفتقد المرء في الأمسية وجوهًا مثقّفة ليست قليلة من الكرمل، فلِما المقاطعة؟! ولا يظنّنّ ظانّ أنّي لا أعرف الإجابة، والملامة ليست بالضرورة على المبادر دون المقاطع، أو المقاطع دون المبادر!

لست في هذه الرسالة المفتوحة بصدد تناول الكتاب، ولكن من الضرورة بمكان أن يقال: أنّ الكتاب يحمل مجموعة من الرسائل الجدّ هامة وفي كلّ اتجاه، وبعضها إعادة صياغة موقف كان طرحه بروفيسور قيس نفسه في كتاب سابق بالإنجليزيّة، وعلى الأقل في محطّتين هامّتين ما قبل ال-48؛ ثورة ال-36 ومعركة هوشة الكساير واللتين كان لهما الأثر الكبير على مسيرة الدروز في البلاد ما بعد ال-48 وبالتالي شقِّ طريق طبقًا ل-"بندقة تاريخ" هاتين المحطّتين إسرائيليّا وعربيّا. فلماذا غاب ذلك عن المداخلات؟! ولا يقولنّ أحد إنّ المجال ما كان ليتّسع فهنالك المهمّ وهنالك الأهم!

الرّسالة التي أردتم أن توصلوها أيّها الأخوة في الأمسية، وأنا أدّعي أنّي أعرف طروحاتكم وبمعزل عن الأمسية والكتاب، هي قضيّة الهويّة، فهل نجحتم؟!

من نافل القول إنّ الهويّة وقبل أن تكون نيشانًا هي ممارسة ميدانيّة. فأين مثقّفو الكرمل من المشهد الثقافي العربي في البلاد؟! لماذا لا يأخذون فيه الدّور اللائق بهم في هذا المشهد ميدانيّا ولهم فيه، انتاجًا، باع طويل؟! وللمثال: قبل مدّة عُقد المؤتمر الثقافي الأول برعاية الاتحاد العام للأدباء الفلسطينيّين- الكرمل 48 غابت عنه كلّ الوجوه الإبداعيّة من قرى الكرمل!

كيف يمكن أن نوصل الرسائل التي نحملها وكتاب قيس فرّو يحملها وجاء ليزوّدنا ب-"كواشين" إضافيّة تدعيمًا لهذه الرسائل ورفع أيّ شكّ حولها، كيف يمكن التوصيل إن غِبنا عن المشهد الثقافيّ العربيّ ميدانيّا، وبقيت الرسائل في نطاق الكرمل وأكّاديميّيه وبين يديّ بعض الأكاديميّين هنا وهنالك وبعيدًا عن الناس؟!

الإيصال أو التوصيل المطلوبان ليسا من باب رفع تهمة وتبرئة ساحة وتجميل حال، فكلّ الكتب التي صدرت ليست لوائح دفاع وتبرير مثلما ذهب ويذهب البعض وكرمليّون منهم، هي لوائح اتهام وبيّناتها: "من فمكم ندينكم"، اتّهام للمؤسّسة واتّهام لذوي القربى واتّهام للغَفَلة منّا؛ الغافلين منهم والمُغفَّلين. 

الإيصال التوصيل لرسائل قيس فرّو لن يتمّا إن جاءا استعراضيّا انتقائيّا، وبما يخدم الموصل (المتداخل) وقناعاته، الإيصال الصحيح هو ذاك الذي لا يستقدم عداءً للكتاب من "المتضرّرين" وإنّما ذاك الذي يضعهم في مواجهة أنفسهم ويستحثّهم إلى قراءته لا بل ويفحمُ البعض من أصحاب "عنزة ولو طار". هل أوصلت المداخلات الرسائل؟! حقيقة لا أدري رغم الشكّ!     

وأخيرًا، الغفْلة التي يطرحها قيس فرّو ليست قضاءً وقدرَا، وقد شهدت المسيرة وانطلاقًا وعلى خلفيّة ما يطرحه قيس، صحوات عادت دالّتها البيانيّة لتنحدر، ولعلّ أبرزها في عقد السبعينيّات وأقواها في العقد الأول من الألفيّة الحاليّة (راجع بحوث مؤتمر هرتسليا والقسم المتعدد الثقافات في جامعة حيفا)، ولكنْ على ضبابيّة الغفلة التي يتناولها قيس فهي أقلّ ضبابيّة من الغفلة التي تجتاح الدروز في العقد الأخير.

ولعلّ تساؤل المتداخلة تفاحة سابا في نهاية مداخلتها وبما معناه: "هل ستكشف لنا الأيام مستقبلاً وثائق أخرى عن زمن غفْلتنا اليوم"، تساؤل له ما يبرّره.  

فهل تعتقدون أيها المثقّفون التنويريّون وطنيّا واجتماعيّا (العمّال قبل الأكاديميّين والمرأة قبل الرجل) في الكرمل وفي كلّ قرانا، إن الرسائل التي حملها كتاب قيس فرّو ستصل وتزيح عنّا الغفْلة إن بقينا: منكفئين في جغرافيّتنا وعلى ذواتنا ونتغنّى ب-"إنجازاتنا" الفرديّة ماديّا وروحيّا، وتبقى شهاداتنا مجرّد رُخص عمل، والنرجسيّة ديدنُنا، والتقوقع الفئويّ ومن ايّ نوع كان دينُنا؟!

فدرهم عمل مع الناس وبين الناس خير من قنطار وعظ آتٍ من الأبراج العاجيّة وبالصياغات البلاغيّة، وحتّى لو جاءت في مؤلّف هام كالذي نحن بصدده!!!

في آخر سهرة ليست بعيدة جمعتنا؛ بروفيسور قيس والشاعر أسامة ملحم وأنا وآخرين، كانت بعض هذه الأسئلة والتساؤلات موضوعَها!  

قيس فرّوا ليس كرمليّا ولا درزيّا ولا فئويّا!!!

          

    

 

               

الاسم :
البلد :
التعليق :